الصراع الدولي على إدلب.. ماذا تعرف عن معقل المعارضة السورية الأخير؟

إبراهيم العلبي @ibrahimulabi
إسطنبول
من مظاهرات خرجت في إدلب وريفها لتجديد مطالب الأهالي بإسقاط النظام وحماية المنطقة من مظاهرات خرجت في إدلب وريفها لتجديد مطالب الأهالي بإسقاط النظام وحماية المنطقة

على الرغم من أن الأطراف المحلية للصراع هي الأطراف المعنية بشكل مباشر بالمعركة وبشكلها وسيناريوهاتها الممكنة، إلا أن مواقف هذه الأطراف تبقى تبعاً لمواقف الأطراف الإقليمية أو الدولية التي تتحالف معها

تحولت محافظة إدلب إلى بؤرة اهتمام الرأي العام العالمي خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أصبحت إحدى آخر المعاقل الكبيرة التي لا تزال تسيطر عليها المعارضة السورية، وإعلان النظام السوري عن حشده لشن هجوم واسع عليها بغرض استعادة السيطرة عليها، على غرار ما فعل في جيوب أخرى للمعارضة وسط وجنوب البلاد.

ولإدلب خصوصية تميزها من المناطق الأخرى للمعارضة السورية، فهي تحتضن حوالي 4 ملايين نسمة، أكثر من نصفهم نازحون من مناطق المعارضة الأخرى التي هجروا منها بعد شن عمليات عسكرية واسعة ضدها مدعومة بالطائرات الروسية والمليشيات الإيرانية، ولا يبدو أن أمام هؤلاء أي ملجأ سوى عبور الحدود إلى تركيا، ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبي والعالم.

كما أن إدلب تعد رابع مناطق خفض التصعيد التي جرى الاتفاق بشأنها بين الدول الضامنة لمسار آستانا، تركيا وروسيا وإيران، إلا أنها تتميز بانتشار قوات من الجيش التركي بداخلها على شكل نقاط مراقبة عسكرية بموجب الاتفاق، ما يجعل من شن عملية عسكرية ضدها بدعم روسي خطراً يتهدد العلاقات الروسية التركية التي يسعى الجانبان سوية لتجنيبها أية أزمة مماثلة لتلك التي حدثت إثر إسقاط مقاتلة روسية اخترقت المجال الجوي التركي أواخر 2015.

وتعارض تركيا ومعها الاتحاد الأوروبي شن عملية عسكرية ضد المنطقة، لكن روسيا تصر على ضرورة شن العملية بذريعة استهداف هيئة تحرير الشام المدرجة على لوائح الإرهاب محلياً وعالمياً، فيما تتخذ الولايات المتحدة موقفاً ملتبساً، سنبينه بين ثنايا هذا التقرير.

وعلى الرغم من تداول اسم إدلب في وسائل الإعلام وفي تصريحات المسؤولين، إلا أن المنطقة المقصودة هي تلك المشمولة باتفاق خفض التصعيد، حيث تشمل ريف حلب الغربي ولا سيما بلدات الأتارب ودارة عزة وحريتان وعندنان وصولاً إلى كفر حمرا والليرمون والضواحي الشرقية لمدينة حلب، وريف حماه الشمالي والشمالي الغربي وخاصة اللطامنة وكفرزيتا وقلعة المضيق، وجزء من ريف اللاذقية الشمالي الشرقي الذي يضم جبلي الأكراد والتركمان.

إدلب جغرافياً

تقع محافظة إدلب شمال غربي سوريا وسط سهول فسيحة، وترتفع 446 متراً عن سطح البحر. وتحتل مساحة قدرها 6100 كم2. يحدها من الشمال ولاية هاطاي التركية بطول 129 كم، ومن الشرق محافظة حلب بطول 159 كم، ومحافظة حماة من الجنوب بطول 158 كم، وغرباً محافظة اللاذقية بطول 29 كم.

وتعد محافظة إدلب ثامن أكبر محافظة سورية من حيث المساحة، والخامسة من حيث عدد السكان البالغ حوالي مليون ونصف مليون نسمة، وفقاً لبيانات رسمية.

تشغل إدلب موقعاً هاماً على طريق الحرير القديم، وكانت تعد معبراً للجيوش الغازية. وتمثل حالياً طريقاً مهماً للقوافل التجارية القادمة من تركيا وأوروبا إلى الشرق وبالعكس عبر معبر باب الهوى الحدودي، ولكن الحرب السورية أدت إلى تعطل هذا الدور للمحافظة.

وداخلياً، تعتبر حلقة وصل ما بين المنطقة الساحلية من جهة والمنطقتين الشمالية والشرقية، وطريقاً رئيسياً لعبور الإنتاج الزراعي من الجزيرة السورية والمناطق الشرقية والشمالية نحو ميناء اللاذقية للتصدير.

وتمتاز المحافظة بزراعة الزيتون وتغطي أشجار الزيتون مساحات واسعة منها الأمر الذي دفع السورين لأن يطلقوا عليها إدلب الخضراء.

وفي إدلب صناعات قديمة مختلفة، كعصر الزيتون، وقد كان في المدينة في عهد العثمانيين 200 معصرة زيتون تحت الأرض، وصناعة الصابون التي حصرت بها في عهد محمد باشا الكوبرلي، فكان فيها ست وثلاثون مصبنة، وصناعة الدبس والحلاوة والطحينة والأحذية. وتعد مدينة إدلب سوقاً تجارية واسعة للمناطق المحيطة بها، كما تسيطر على تجارة الزيتون وزيته في سوريا بصفة عامة بجانب عفرين.

إدلب تاريخياً

كانت قرية "إدلب الصغرى" تتبع سرمين فيما مضى، ثم بدأت أهميتها بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم في الدولة العثمانية محمد باشا الكوبرلي (1583-1661)، فجعل مواردها وقفاً على الحرمين الشريفين وأعفاها من الرسوم والضرائب وأقام فيها مباني لا تزال قائمة إلى اليوم فقصدها الناس من جسر الشغور وسرمين والقرى المجاورة، فاتسعت وازدهرت على حساب قرية "إدلب الكبرى" التي طوي ذكرها.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر تم إلحاق إدلب إدارياً بجسر الشغور، ثم أتبعت بأريحا ثم باتت مركز قضاء عام 1812، ثم أصبحت في عهد الجمهورية السورية مركز محافظة في عام 1960. عانت إدلب الاحتلال الفرنسي عندما اتخذها إبراهيم هنانو معقلاً لثورته على فرنسا فقصفتها قوات الاحتلال بالمدفعية في 20 يناير/ كانون الثاني 1920 واعتقلت معظم أهلها فتشرد الكثيرون في البراري، ثم عادوا إليها ثائرين فسيطروا على دار الحكومة، وظلت المدينة على مناهضتها للاحتلال حتى رحيل القوات الفرنسية عنها عام 1945.

وتحتضن محافظة إدلب ثلث الأوابد والمواقع الأثرية في سوريا، حيث تضم مملكة إيبلا التي اكتشفت مطلع القرن العشرين، كما تضم 500 موقع مما يطلق عليه المدن المنسية، إضافة إلى عدد من القلاع التي تنتمي إلى عصور مختلقة.

إدلب خلال الثورة

تعد محافظة إدلب ببلداتها وقراها الرئيسية، مثل جسر الشغور وأريحا وسراقب ومعرة النعمان وخان شيخون وجبل الأربعين من أوائل المدن والبلدات المنتفضة على نظام الأسد بعد اندلاع الشرارة الأولى للثورة السورية في مارس/ آذار 2011، حيث شهدت خروج مظاهرات عديدة بدأت في جسر الشغور ثم امتدت إلى سائر المناطق.

ووقعت مذبحة في يونيو/ حزيران بمدينة جسر الشغور جراء محاولة انشقاق عناصر داخل مركز أمني في المدينة، حيث قامت قوات الأسد بقصف المركز بالطائرات وقتلت نحو 80 عنصراً، وتبع ذلك إعلان المقدم حسين الهرموش انشقاقه عن الجيش السوري وتشكيل "لواء الضباط الأحرار" كأول كتيبة عسكرية مؤلفة من الجنود المنشقين تتشكل لمقاومة القمع الدامي للمحتجين، لتندمج لاحقاً مع "الجيش السوري الحر"، الذي أسسه العقيد رياض الأسعد بداية في محافظة إدلب أيضاً.

وتلا ذلك تشكيل العديد من الكتائب من المنشقين وأيضاً من المدنيين الثائرين الذين حملوا السلاح رداً على القمع العنيف والوحشي الذي أدى إلى مقتل المئات من الأبرياء برصاص نظام الأسد وأجهزته الأمنية.

وفي 10 مارس/ آذار، اقتحمت قوات النظام مدينة إدلب باكثر من 4000 آلاف جندي وعشرات الدبابات والمدرعات، حيث لقي مقاومة شرسة من أهالي وثوار المدينة، وبعد قتال وقصف دام ثلاثة أيام تمكنت قوات الأسد من دخول إدلب، بعد مقتل أكثر من 147 مدنياً. وتدريجياً تمكنت الكتائب والفصائل المعارضة من السيطرة على القرى والبلدات في المحافظة لكن مدينة إدلب مركز المحافظة ظلت تحت سيطرة النظام حتى 2015.

وفي مارس/ آذار من العام نفسه، شن تحالف من الفصائل العاملة في المحافظة، وعلى رأسها حركة أحرار الشام وجبهة النصرة وفيلق الشام، تحت مسمى "جيش الفتح" هجوماً كبيراً على المدينة تمكن خلاله من انتزاع السيطرة على المدينة وطرد قوات الأسد منها لتكون بذلك أول مركز محافظة يسقط بشكل كامل بيد المعارضة.

وعلى الرغم من إدراج جبهة النصرة على قائمة الإرهاب في مجلس الأمن، إلا أن تحالف "جيش الفتح" ظل يدير المدينة وينسق العمليات العسكرية في المحافظة قرابة عامين قبل أن يبدأ نزاع جديد بين جبهة النصرة التي أعلنت لاحقاً فك ارتباطها بالقاعدة وتسمية نفسها بجبهة فتح الشام من جهة وحركة أحرار الشام ومعها صقور الشام من جهة أخرى.

وتمكنت "جبهة فتح الشام"، التي شكلت تحالفاً جديداً مع فصائل صغيرة مقربة منها مسبقاً ما عرف بـ"هيئة تحرير الشام"، من فرض سيطرتها على معظم مرافق المدينة لتغدو بذلك القوة الأكبر في المحافظة بسيطرتها على مدينة إدلب وعدد من البلدات الأخرى، فيما ظلت فصائل الجيش السوري الحر ومعها أحرار الشام وصقور الشام تسعى لإعادة ترتيب صفوفها ومقاومة نزعة التوسع لدى الهيئة التي هاجمت عشرات الفصائل وأنهت وجودها، وتشكل في هذه الأثناء "جيش إدلب الحر".

ومنذ أن أحكمت هيئة تحرير الشام قبضتها على مدينة إدلب، وبعدما تسارعت الحملة العسكرية لقوات الأسد باتجاه إدلب وتمكنت من السيطرة على أجزاء من ريفها الجنوبي الشرقي، سارعت الهيئة إلى تشكيل حكومة مدنية مقربة منها في المدينة تحت اسم حكومة الإنقاذ برئاسة محمد الشيخ عميد جامعة إدلب الحرة، لتتولى إدارة الملفات المدنية.

نقاط المراقبة التركية

في هذه الأثناء كانت اتفاقيات آستانا قد دخلت حيز التنفيذ وبدأ الجيش التركي يرسل قواته إلى داخل المنطقة لاستكشاف مواقع نقاط المراقبة التي ينوي نصبها في محيط المنطقة، ليستكمل نشر هذه النقاط بحلول شهر مايو/ أيار الماضي.

وتنتشر نقاط المراقبة التركية على ريفي حلب الغربي وإدلب إضافةً إلى ريف حماة الشمالي، وهي قلعة سمعان والشيخ عقيل وجبل عندان والعيس والراشدين بريف حلب الغربي، والصرمان وتل الطوقان بريف إدلب الجنوبي الشرقي، وجبل اشتبرق التابع لجسر الشغور بريف إدلب الغربي، وصلوة في ريفها الشمالي، ومورك والعريمة بريف حماة الشمالي، والزيتونة في جبل التركمان بريف اللاذقية الشرقي.

فصائل المعارضة

ومع تصاعد التهديدات المحدقة بالمنطقة إثر تفرغ قوات الأسد لشن عملية عسكرية جديدة وواسعة لانتزاع السيطرة على محافظة إدلب، بعدما سيطرت على محافظة درعا، تشكل تحالف جديد وموسع بين معظم فصائل الجيش السوري الحر في المحافظة، تحت اسم "الجبهة الوطنية للتحرير" بهدف التصدي لأي هجوم من جانب النظام والمليشيات الأجنبية المساندة له.

وضمت "الجبهة الوطنية للتحرير" 11 فصيلاً معارضاً، بعضها مكون من مقاتلين قادمين من مناطق أخرى مهجرة، وهي فيلق الشام والفرقة الساحلية الأولى، والفرقة الساحلية الثانية، والفرقة الأولى مشاة، وجيش إدلب الحر، والجيش الثاني، وجيش النخبة، وجيش النصر، وشهداء الإسلام داريا، ولواء الحرية والفرقة 23.

وينظر إلى التشكيل الجديد بوصفه الأكبر في الشمال السوري، إلا أن مناطق سيطرته ونفوذه تقل قليلاً عن مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" في إدلب وريفها.

ومنذ أن بدأت حملة تهجير المناطق الثائرة في محيط العاصمة دمشق أواخر العام 2016، وصولاً إلى تهجير المناطق المشمولة باتفاق خفض التصعيد منذ مطلع العام الجاري، أصبحت إدلب المأوى الرئيسي للسكان الذين أجبروا على الرحيل خشية أن يغدر بهم النظام بعد السيطرة على مناطقهم، وأيضاً للمقاتلين في هذه المناطق، وبذلك تحولت المحافظة إلى أكبر تجمع سكاني يقدر بـ4 ملايين إنسان أكثر من نصفهم مهجرون.

وبقيت كل من كفريا والفوعة، القريتين الشيعيتين المحاصرَتين تحت سيطرة النظام ورهناً لاتفاقية "المدن الأربع" (كفريا-الفوعة/الزبداني-مضايا) بين إيران من جهة، وأحرار الشام وهيئة تحرير الشام من جهة أخرى، التي أبرمت عام 2017، إلى أن أعلنت الهيئة في وقت سابق هذا العام التوصل إلى اتفاق جديد أدى إلى إخلاء القريتين بالكامل.

مواقف الأطراف المحلية

وما بين الأطراف السورية المباشرة في المعركة المحتملة في منطقة إدلب، من قوات تابعة للنظام ومليشيات مساندة له، وفصائل الجيش السوري الحر، وهيئة تحرير الشام من جهة، وبين الأطراف الإقليمية كتركيا وروسيا وإيران من جهة ثانية، والأطراف الدولية وعلى رأسها روسيا والغرب والولايات المتحدة والأمم المتحدة من جهة ثالثة، ثمة تباين كبير جداً وحسابات مختلفة ومعقدة.

وعلى الرغم من أن الأطراف المحلية للصراع هي الأطراف المعنية بشكل مباشر بالمعركة وبشكلها وسيناريوهاتها الممكنة، إلا أن مواقف هذه الأطراف تبقى تبعاً لمواقف الأطراف الإقليمية أو الدولية التي تتحالف معها، بحسب عبد الوهاب عاصي، الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات.

ويقول عاصي لـ"ديلي صباح"، تعليقاً على مواقف النظام والمعارضة والأطراف المحلية الأخرى: "يبدو واضحاً أن كلاً منها سيكون لاحقاً لسياسات حليفه الدولي باستثناء هيئة تحرير الشام والتنظيمات الجهادية".

ويريد النظام السوري أن يكلل سلسلة "الإنجازات العسكرية" التي تحققت له خلال العالم الماضي بفضل الدعم الروسي والإيراني بالسيطرة على إدلب، ليعلن بعدها أنه استطاع القضاء على ما يسميها "المؤامرة الكونية" ضده وأنه طوى صفحة الثورة إلى غير رجعة، وهو ما لا يمكن أن يحظى به ما لم تكن موسكو مستعدة للتضحية في سبيل ذلك بعلاقاتها المزدهرة في الآونة الأخيرة مع تركيا.

أما فصائل الجيش السوري الحر وعلى رأسها الجبهة الوطنية للتحرير، المدعومة من تركيا، فتسعى للحفاظ على آخر معاقلها، في الوقت الذي تسعى بالتعاون مع تركيا إلى إبرام اتفاق مع هيئة تحرير الشام للوصول إلى تفكيك الأخيرة وحل المسائل المترتبة على ذلك مثل إعادة ضم المقاتلين السوريين، بالإضافة إلى إخراج المقاتلين الأجانب.

وفيما يتعلق بموقف هيئة تحرير الشام، فيرى عبد الوهاب عاصي أنها "في موقف مرتبك، حيث ترى أن الموقف العسكري التركي يظهر دعما لوجود الشمال السوري كآخر معقل لقوى الثورة والمعارضة، لكن بنفس الوقت تخشى الهيئة من صفقة بين أنقرة وموسكو تكون هي الأساس فيها".

موقف داعمي النظام

أما الأطراف الإقليمية التي تدعم النظام وتدفع باتجاه شن عملية عسكرية واسعة ضد إدلب وعموم منطقة خفض التصعيد الأخيرة، فهي تنظر إلى اتفاق خفض التصعيد ومسار آستانا السياسي على أنه "فرصة زمنية" للنظام لإعادة فرض سيطرته مرة أخرى على كل المناطق التي سيطرت عليها المعارضة، وفقاً للمحل السياسي والخبير بالشؤون التركية سعيد الحاج.

ويضيف الحاج، في حديث لـ"ديلي صباح" أنه بالنسبة إلى توافق روسيا وإيران بشأن المعركة، فإن "ذريعة وجود هيئة تحرير الشام، والغطاء السياسي والقانوني لسيطرة النظام ومكافحة الإرهاب تدعمهم بطريقة أو أخرى".

ويرى الحاج أن "المقاربة الروسية تتحدث عن حل سياسي، لكنها تريد الحل السياسي بعد إخضاع المعارضة وكسرها في الميدان، ومن ثم إجبارها على مسار سياسي وفق الرؤية الروسية ووفق رؤية النظام". وشرح ذلك بالقول: "هذه الرؤية ليس باعتبار أن هناك نظام ومعارضة كطرفين في حل سياسي، وإنما بكون النظام هو المظلة التي تجمع أطراف المختلفة".

وتبدو هنا هيئة تحرير الشام "مجرد ذريعة" وليست السبب الحقيقي لشن الهجوم، كما يقول المحلل السياسي.

موقف تركيا

وفيما يتعلق بموقف أنقرة من منطقة إدلب والمعركة المحتملة فيها، فيرى سعيد الحاج الخبير بالشأن التركي أن تركيا تعتبر إدلب "خط الدفاع الأول" عنها، وتعلم أن النظام إذا سيطر عليها بالكامل فسيكون الحديث لاحقاً عن درع الفرات وغصن الزيتون، مضيفاً أن تركيا "تحاول أن تجنب هذه المنطقة عملية عسكرية يمكن أن يكون فيها مقتلة كبيرة في المدنيين ويمكن أيضاً أن يعرضها لموجة لجوء كبيرة جداً".

وفيما يتعلق بذريعة روسيا والنظام المتعلقة بهيئة تحرير الشام، فقد كشف الحاج أن "تركيا تعمل منذ أشهر على إذابتها أو تفكيكها بطريقة أو بأخرى، ويبدو أنها لم تصل إلى النتائج المرجوة ويبدو أن الوقت يضغط على تركيا".

ويلفت الحاج إلى أنه بعد القمة الثلاثية الأخيرة في طهران، صدرت تصريحات عن المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف، تحدثت عن أن روسيا تريد حلاً سياسياً في سوريا وليس حلاً عسكرياً، بالإضافة إلى تصريحات لمسؤولين روس آخرين قالوا إن هذه المنطقة مضمونة تركياً، ومن ثم تركيا لديها ما تفعله هناك. وعقب الحاج على ذلك بالقول: "أعتقد أنه لا يزال بإمكان تركيا أن تجنب المنطقة هذه العملية العسكرية التي ما زالت قائمة".

من جهته، يرى الدكتور باسل الحاج جاسم، الخبير في العلاقات الدولية، أن "روسيا أعطت تركيا الكثير من الوقت للتعامل مع ملف إدلب، إلا أن الواضح ايضا أن تركيا لا تريد الدخول بمواجهة مباشرة" مع هيئة تحرير الشام.

ويوضح الحاج جاسم، في تصريحات لـ"ديلي صباح" أنه على الرغم من كون هذه المجموعات موجودة بالفعل على قوائم الإرهاب التركية، إلا أن أنقرة "لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة ومنفردة مع هذه المنظمات و المجموعات، وذلك لأسباب عديدة".

ويعدد الخبير السياسي من تلك الأسباب "الكثافة السكانية من المدنيين و التي تنتشر بينها تلك المجموعات، ما يجعل أي عمل عسكري باهظ الكلفة من الناحية الإنسانية".

وتريد تركيا "المزيد من الوقت لفصل العناصر السورية التي التحقت بتلك المجموعات لأسباب كثيرة ليس بينها الدافع الأيديولوجي، بالإضافة إلى إعادة من يرغب من العناصر غير السورية إلى بلدانهم"، وفقاً للحاج جاسم.

ويضيف الخبير في العلاقات الدولية أن أنقرة ربما لا تريد الدخول في مواجهات كهذه وحدها ولا سيما أن الأمر يتعلق بمواجهة في معارك مختلفة عن الحروب التقليدية، بدون ضمانات بخصوص مصير المعارضة المعتدلة و المدعومة تركياً، مذكراً بأن أساس اتفاقات خفض التصعيد هو تهدئة الجبهات لإتاحة المجال من أجل المضي في الحل السياسي الشامل لكامل اراضي الجمهورية العربية السورية.

المواقف الدولية

وفيما يتعلق المواقف الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، يعمد الحاج جاسم إلى تقسيمها إلى قسمين، موقف أميركي و آخر أوروبي.

ويضيف: "الدول الأوروبية المعنية بشكل مباشر بما يجري في سوريا تؤيد أي تسوية سياسية لهذا الملف بإشراف تركي وذلك لعدم رغبتها بتكرار موجة اللجوء الضخمة التي وقعت عام 2015 وكادت تطيح اتفاق الشنغن، وهذا الشق المعلن للمخاوف الأوربية".

ومن ناحية أخرى، فإن أي عمل عسكري شامل وغير مدروس بالنسبة للأوروبيين يعني إعادة تسرب وانتشار المجموعات الإرهابية في معظم دول العالم، سواء التي جاءت منها أو غيرها، وهو ما تخشاه الدول الأوروبية على وجه الخصوص، وهذا "شق خفي آخر للمخاوف الأوروبية" كما يقول الحاج جاسم.

اما بالنسبة إلى لولايات المتحدة، بحسب الخبير في العلاقات الدولية، فهي اليوم "لا تمتلك في سوريا سوى أداتها الامتداد السوري للعمال الكردستاني المصنف إرهابياً في تركيا والناتو"، مبدياً عدم استبعاده صحة ما تردد عن تراجع واشنطن عن معارضتها لمشاركة مسلحي هذه المجموعة الانفصالية في أي عملية عسكرية للنظام تجاه إدلب.

وعزا هذا الموقف إلى أن "واشنطن تعتبر أن ما بعد إدلب سيأتي دور العملية السياسية، ولتضمن أداتها مكاناً على الطاولة.

وكانت الولايات المتحدة هددت على لسان عدد من مسؤولي إدارة ترامب بالرد عسكرياً على أي هجوم يشنه نظام الأسد في إدلب بالأسلحة الكيمياوية، وهو ما علق عليه مسؤول أممي بالقول: "إذا قالت أي دولة إن الخط الأحمر هو استخدام الأسلحة الكيمياوية، فسنقول إن الخط الأحمر هو أي اعتداء ضد السكان المدنيين".

وشدد هاني المجالي، عضو اللجنة المستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنساني في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، في مؤتمر صحفي، أن الكثير من المدنيين لقوا مصرعهم في سوريا بسبب "التجاهل الفاضح للقانون الدولي الإنساني من قبل جميع أطراف النزاع أكثر من الأسلحة الكيمياوية".