نور الحب قتل صاحبه

جري سالم الجري @jerisaljeri_
نشر في 21.06.2018 15:55
آخر تحديث في 21.06.2018 15:57
نور الحب قتل صاحبه

على عمق 914 مترا تحت سطح البحر، تكسر طبقات الأمواج كل شعاع من نور. وأنت حينما تصل لهذا السحيق، سيظهر لك سراج دائري صغير يقترب منك، فإن أدرك، أطبقت عليك صفوف من الأنياب السامة من فوق و تحت.

وهذا فخٌ، عمره الآلاف السنين ينتظر أي ضحية سولت لها نفسها أن تتبع النور. إنها سمكة عالم الكوابيس، إنها سمكة أبو الشص! ذات أرق حياة رومانسية على كوكبنا الأزرق...

فذكور هذه السمكة أصغر حجما من الإناث بستين ضِعف، ووزن العروسة الواحدة أثقل من زوجها بنصف مليون مرة. ففي أعماق المحيطات التي يتجاوز حجمها مساحة الربع الخالي والصحراء الكبرى مجتمعين، لا يستطيع الذكر العثور على سعيدة الحظ إلا بشم فورمناتها الأنثوية (غازاتها الهرمونية)، فإن عثر على ذاك السراج المتراقص، سبح بسرعة باتجاهه لينظر إليها لأول وآخر مرة بحياته، فيعض بطنها بأنيابه ويذيب جلدها بأحماضه الأنزيمية، ليُغطس كامل وجهه فيها، ثم يندمج بدنه بجسم عروسته الرقيقة بلا فكاك.

والآن، بعدما انصهر جلدهما ببعض، يتحد جهازهما الهضمي وجهاز دورتهما الدموية ليتوحدا كلية، وتسمى هذه العملية باسم "التزاوج الحَشري". فلقد حكم الزوج على نفسه بالحبس المؤبد مع غريمته، فإن ماتت، لن يقوى على الحياة. ليُطبق قول الشاعرة المغربية حليمة الإسماعيلي من ديوانها "ما أوسع الموت فيك"، ص 41:

ذاك الذي لا يدري

أنه رمى بي

على سلة الأحزانِ

أكان يعي

أن الحب والموت

يستويانِ؟

هذا المخلوق البشع، يعيش جنسه منذ الآلاف السنين مرت فيها أنبياء وحروب عالمية ونشأت فيها خلافات إسلامية... ونسله طيلة تلك القرون والعصور، يعشق بعضه في الأعماق السحيقة دون أن يدري عنها أحد، لا يصلها من نور النجوم والشموس والأقمار ذرة. تندمج ببعض حتى التوحد، وتموت في بعض، وتحيا من بعضها؛ أجيالا تلو أجيال، تكرر رومانسية تغلب رومانسية روميو وجوليت. فما هي حكمة الخالق سبحانه وتعالى من هكذا دراما بيولوجية، هل من مُجيب؟

إني لا أرى جوابا غير أنه جميلٌ يحب الجمال، أبصرنا جمال خلائقه أم لم نبصر. فبنور العلم أبصرنا جمال أبو الشص، الذي غلب شعراءنا استماتة بالحب، عملا لا قولا. صدق قوله تعالى "فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون".