فنان لبناني يخلّد الحضارة العثمانية و"الدراويش" على الأحجار

وكالة الأناضول للأنباء
بيروت
نشر في 09.11.2016 14:27
آخر تحديث في 10.11.2016 00:40
فنان لبناني يخلّد الحضارة العثمانية والدراويش على الأحجار

اختار الفنان التشكيلي اللبناني، هاني بعيون، فناً فريداً في الرسم على الأحجار مجالاً له، فخطت يداه الموهوبتان لوحات فريدة على أحجار لعلّ هذه القصص الملوّنة تبقى كما يبقى الحجر.
الفنان بعيون، 68 عاما، بدأ مشواره في الفن التشكيلي على الورق، فاشتهر برسمه الدقيق للشخصيات اللبنانية المعروفة، بدءا من الفنانين أمثال فيروز وزياد الرحباني، حتى الشخصيات السياسية أمثال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

بعيون لم يتوقف عند رسم اللوحات فقط، بل، كما يقول للأناضول، سعى دائماً "للتغيير واكتشاف الجديد والمضيّ بالفنّ للأفضل".

وقال الفنان: "تجوّلت بين روما ولندن وفرنسا باحثاً عن العلم والخبرات، ودرست الفن التشكيلي واحترفته. ثم عدت إلى لبنان لأكون أقرب إلى أهلي والطبيعة، والحضارة الغنية الموجودة".

آخر ما وصل إليه بعيون بحسه الفني كان الرسم على الحجر، وهو الأستاذ بكلية الإعلام في جامعة بيروت العربية، يكرّس وقتا مستقطعًا يومياً للعمل على لوحات الأحجار، فهذا الفن لا يقتصر على كونه هواية بل "ضرورة فذّة لتفريغ الطاقات والتعبير عن المشاعر والأفكار"، وفق تعبيره. وأشار بعيون إلى "أن اللوحة الواحدة تستغرق أياماً عدة لتنتهي، أطول المراحل هي المرحلة الأساسية من استلهام الفكرة والتحضير لتنفيذها، وتركيب عناصرها، فالتفاصيل الأصغر لها الأهمية الكبرى، والدقة هي أساس جماليتها".

أغلب لوحات الفنان هاني بعيون على الحجر تشترك بوجود عنصر واحد، هو الثقافة الصوفية والعثمانية.

وقال بعيون: "هذه اللوحات تأتي لتمثل برهاناً على غنى الحضارة العثمانية وتأصلها، فأنا أستعمل حرف الواو والطغراء العثمانية لرمزيتها في هذه الحضارة". وتابع: "أغلب من يطلب هذه اللوحات يلفت نظره "الطغراء العثمانية" قبل أن يدرك معناها حتى".

و"الطغراء" رسم له دلالة كبرى في الحضارة العثمانية إذ كان يحمل اسم السلطان العثماني ويُستعمل توقيعاً وختماً في البراءات والفرمانات السلطانية (وهو إشارة إلى إستدارة أسفل الكلمة ووجود ثلاث مدّات لحرف الألف).


فاستدارة الحرف ترمز إلى عمامة السلطان العثماني، والمدّات الثلاثة ترمز إلى الريش الذي كان يمسح فيه السلطان قبر الرسول محمد عليه الصلاة والسلام قبيل استلامه للحكم (إشارة إلى العرف العثماني القديم). ما يراه الناظر إلى فن هاني بعيون يجعله يعيد التفكير في الحجر كمادة صلبة ميتة لا تمسّها المشاعر، فزهوّ الألوان والتجسيد الدقيق للشخصيات الذي يخلقها بعيون قادرة على بث الأحاسيس المطلقة.

للدراويش الصوفية قيمة خاصة أيضاً في قطع بعيون، وقد أدرك الفنّان كيف يتلاعب بالألوان والخطوط ليتراءى لمن ينظر إلى الحجر الملوّن أن "الدرويش" يحرّك جسده على إيقاع نغمات الكلمات المخطوطة، وكما الزاهد ذو التنورة يدور ليرتفع عن الخلق والدنيا، فإن هذا الفنّ المميز يرفع المتأمّل به إلى عالم آخر ينتشي به من الجمالية.

ينهي هاني تلوين "الدرويش" الذي رسمه على الحجر، ويختار ريشة أدق ليلون الكلمات... يخطّ الآية القرآنية "فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ"، لكنه يعطى حرف الواو مكانة خاصة، في الحجم أو اللون.
و"الدراويش" هم الزهّاد في بعض الطرق الصوفية شديدو الفقر والمتقشفون عن اقتناع وإيمان، وهم يعيشون على إحسان الآخرىن زهدا بامتلاك أي أملاك مادية. وكان الدراويش الصوفيون معروفين بحكمتهم، ومعرفتهم بالطب والشعر والذكاء والدهاء.

"حرف الواو في الثقافة العثمانية يعني الحياة بكاملها، فالولادة تبدأ بحرف الواو، وكذلك كلمة الوفاة، والواو يشبه شكل الجنين في بطن أمه، فهذا حرف واحد قادر على اختصار الحياة بكل مراحلها"، حسب بعيون.

ويقول: "كل هذه العناصر تجتمع لتشكّل قطعة فريدة لم يُر مثيل لها بعد".

المعرض الذي أقامه بعيون منذ أشهر ببيروت، تحت عنوان "خطى ملوّنة" وعرض فيه لوحات الحجر لأول مرة، لفت أنظار الباحثين عن الفن واستوقفتهم لوحات بعيون المميزة. منذ ذلك الوقت، "ازداد الطلب على الأحجار، وذلك لتميّزها. فأنا أصنع نسخة واحدة فقط من اللوحة، ولا أكررها. وبذلك، يضمن الزبون أن اللوحة التي يمتلكها فريدة، لن يراها عند غيره، ولن يرى ما يشبهها".

ولفت بعيون "هذا الحجر الذي مرّت عليه آلاف السنين ومئات الحضارات والحروب، ساهمت الطبيعة الأم في تجميع كل هذه المركبات ليكون بالشكل الذي هو عليه اليوم. وكأن الطبيعة تقدّم الأحجار هدية لنا، إرثا حضاريّا أصيلاً. فلماذا نهملها؟".