عملية عفرين.. الحاجة إلى السلام

اسطنبول

لقد آن الأوان لمناقشة سيناريوهات السلام في سوريا بدلا من خطط الحرب. وبدلا من تسليح السكان المحليين ومشاهدتهم يقتل أحدهم الآخر، يجب على البلدان المعنية أن تجد سبلا لمنع المزيد من سفك الدماء في هذا البلد.

ما من شك في أن العملية العسكرية التي بدأتها تركيا في عفرين في نهاية الأسبوع الماضي تتم مراقبتها بعناية في جميع أنحاء العالم. وكما هو الحال في جميع العمليات العسكرية، هناك أهداف عسكرية فورية يتعين إنجازها فضلا عن أهداف إستراتيجية طويلة الأجل. وتتمثل أهم أهداف هذه العملية في وقف أعمال تنظيمين إرهابيين يقومان بهجمات إرهابية ضد تركيا باستخدام ملاذات آمنة في عفرين.

واحد من هذه التنظيمات الإرهابية هو داعش، الذي يفترض أن العالم كله في حرب ضده. وعلى الرغم من خسائره الإقليمية الأخيرة، لا يزال داعش ناشطا في عفرين، ومن ثم هو يشكل تهديدا لتركيا. أما المجموعة الثانية التي تستهدفها تركيا فهي منظمة "ب ي د" التابعة لمنظمة "بي كا كا" الإرهابية. وكما نعلم أن العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تقول إن القتال ضد داعش سيكون مستحيلا بدون مساعدة من منظمة "ي ب ك"، بطبيعة الحال هذه الذريعة تم تقديمها لإخفاء النوايا الأخرى.

وتشدد السلطات التركية على أن هدف العملية ليس العبث بوحدة أراضي سوريا، بل القضاء على التهديدات الموجهة إليها من الأراضي السورية. ومن أجل إظهار النوايا الحسنة لتركيا أبلغت الحكومة مجلس الأمن الدولي وجميع الدول المعنية بالأمر. وتقول تركيا إن عمليتها العسكرية كانت الخيار الأخير، وإنها كانت أمراً اضطرارياً.

لم تواجه تركيا أي مشكلة في المجال الجوي السوري حتى الآن، لذلك يمكن القول إن الجميع قد قبل وتفهّم تفسيرات تركيا. تركيا ليست قوة عظمى يمكن أن تفرض إرادتها على لاعبين آخرين، لكنها قوة إقليمية لديها القدرة على وقف خطط دول أخرى. هنا بالذات، قررت تركيا وقف الولايات المتحدة عن تطوير علاقات أوثق مع المنظمات الإرهابية المسلحة الناشطة في سوريا، لأن أنقرة لاحظت أن هذه المنظمات الإرهابية يتم قبولها تدريجيا، من قبل واشنطن، كمحاورين سياسيين. أسوأ جزء في ذلك، هو أنه وبسبب أفعال منظمتي "بي كا كا" و"ب ي د" الإرهابيتين، تعبت تركيا من منعها من إقامة علاقات بناءة مع السكان الأكراد الحقيقيين فى سوريا. وقد ارتكبت الولايات المتحدة خطأ هاما هناك، لأنها تفضل التعاون مع أعداء تركيا، وليس مع تركيا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي منذ ستة عقود. كانت الولايات المتحدة مهووسة للحد من نفوذ إيران وحماية إسرائيل، لذلك لم تهتم باعتراضات تركيا. ولم تتفهم واشنطن، بل وكانت أيضا لا تريد أن تفهم، أن أعمالها لا تخدم إلّا مصالح روسيا في نهاية المطاف.

وفيما يتعلق بروسيا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو سحبت أفرادها العسكريين من عفرين قبل بدء العملية التركية مباشرة؛ وهي رسالة ضمنية بأن روسيا تقبل حق تركيا في التدخل. وكانت هذه الإيماءة أيضا رسالة إلى نظام الأسد. ربما بسبب العملية، سوف تحاول دمشق الاقتراب من وحدات حماية الشعب بل ومن الولايات المتحدة، لكن مثل هذا التقارب ربما يزعج إيران كثيرا. لذا فإن مساحة الأسد للمناورة ليست كبيرة.

سنتمكن من الفهم بشكل أفضل النتائج السياسية لهذه العملية العسكرية في الأسابيع المقبلة. ومع ذلك، يمكننا أن نقول بالفعل إن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سوريا يساعد روسيا فقط. وبغض النظر عن ما إذا كانت تركيا ستنجح في تدمير الملاذات الآمنة الخاصة بالإرهابيين في عفرين وتمنع ظهور مناطق جديدة تتمتع بالحكم الذاتي على حدودها، إلا أن المجتمع الدولي سيتمكن من فرض مناطق جديدة لوقف إطلاق النار.

ويمكن وضع هذه المناطق الآمنة آنذاك تحت إشراف الأمم المتحدة. إذ قد يجد المجتمع الدولي حلا سياسيا شبيها بدايتون ستضمنه قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ومن المرجح أن هذا الحل لن يطمئن تركيا تماما، ولكنه قد يحمل الأزمة السورية على الأقل مرة أخرى على مستوى مشترك بين الدول وليس حربا معقدة بين عشرات الفئات.

لقد آن الأوان لمناقشة سيناريوهات السلام في سوريا بدلا من خطط الحرب. وبدلا من تسليح السكان المحليين ومشاهدتهم يقتلون أحدهم الآخر، يجب على البلدان المعنية أن تجد سبلا لمنع المزيد من سفك الدماء في هذا البلد.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.