الكيان الموازي ليس منظمة إرهابية عادية

إن تطهير مؤسسات الدولة من عناصر تنظيم الكيان الموازي أساسي بشكل كبير لضمان فعالية عمل أجهزة الدولة

نحن بحاجة إلى سياسات شاملة وطويلة المدى لمكافحة تنظيم الكيان الموازي الذي حاول الانقلاب على الدولة في الخامس عشر من يوليو الجاري. وها نحن اليوم أمام إجراءات أفرزتها حالة الطوارئ في البلاد، من شأنها تحريك جميع مؤسسات الدولة لتطهير نفسها من أعضاء هذه المنظمة الإرهابية.

حيث بدأت اليوم عمليات التطهير من الكوادر والتشكيلات التي تغلغلت في العديد من مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش والقضاء وقطاعي التعليم والخدمات الصحية، التي تمكنت الأجهزة الاستخباراتية من اكتشافها في العامين الماضيين.

إن عملية التطهير هذه، التي تستهدف أولئك المندسين داخل وخارج أجهزة الدولة الذين دأبوا على استخدام الحيل والمكائد والأعمال غير الشرعية للوصول إلى أهدافهم طوال الثلاثين إلى أربعين عاماً، كفيلة بضمان مستقبل الدولة التركية والديمقراطية في البلاد. لا تعيروا اهتماماً لما تقوله مؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة. إذ يدعي بعضهم أن عملية التطهير هذه ستخلف ضعفاً عاماً في بنية الجيش التركي في مواجهة تنظيم داعش وتنظيم بي كا كا الإرهابيين، بينما يدعي البعض الآخر أن الترسانة النووية في قاعدة إنجيرليك الجوية لم تعد آمنة اليوم.

إن تطهير مؤسسات الدولة من عناصر تنظيم الكيان الموازي أساسي بشكل كبير لضمان فعالية عمل أجهزة الدولة؛ كما أنه سينعكس على شكل تحسن في العلاقات بين تركيا وحلفائها الداعمين للحرب على الإرهاب.

الأمر الأهم هنا، هو التركيز على أن الكيان الموازي ليس مجرد تنظيم إرهابي عادي. فهو يملك تشكيلة استثنائية تغطيها بعض الدعاوى الدينية العلنية والخفية، كما أنه منخرط في علاقات عميقة مع شبكات ومجموعات ضغط عالمية. لذلك فإنه من غير الواقعي الحديث عن انحلال وتفكك التنظيم في وقت قصير.

وقد دخل التنظيم الذي يعتمد تسلسلاً معيناً لتلقي الأوامر، في مرحلة جديدة من وجوده بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة.

وحتى خلال المحاولة الانقلابية عبر القضاء التي وقعت في السابع عشر والخامس والعشرين من ديسمبر، كان من الواضح أن التنظيم يشكل تهديداً كبيراً، وأنه لا يمكن عزل كوادر التنظيم بشكل كامل من مواقعهم في الدولة.

فالتنظيم الذي يتقوى من خلال تجذره في الجيش ومؤسسات المجتمع المدني، فضل العودة والمقاومة بعد كل ضربة وجهت إليه.

وكانت محاولة الانقلاب في الخامس عشر من تموز/يوليو أعنف وأشد الهجمات التي وجهها التنظيم الموازي، الذي تحاول قيادته أن تحافظ على الروح المعنوية لتلاميذها في حالة نشاط دائم في إطار هالة سحرية من الأمل. وبهذا الهجوم، كان واضحاً كيف تحولت هذه المجموعة الإسلامية المعتدلة إلى منظمة إرهابية تدوس رقاب الشعب بالدبابات وتفتح عليهم النار من المروحيات. هناك ثلاثة نقاط حساسة فيما يتعلق بفرص انهيار تنظيم الكيان الموازي في المستقبل، وهي تفكيك المنظمة والقضاء على قيادتها وتطبيع أعضائها.

والأهم من بين هذه النقاط الثلاثة، بلا شك، هو في منع غولن من قيادة التنظيم. فالقضاء على القيادات يبدو أسلوباً أكثر فعالية في مكافحة التنظيمات ذات الميول الدينية، بشكل أكبر مما هو عليه في المنظمات العلمانية أو القومية. لهذا السبب، تبدو إعادة فتح الله غولن إلى تركيا أكثر أهمية من إعادة قائد تنظيم بي كا كا الإرهابي، عبد الله أوجلان.

يجب إيقاف غولن عن شحذ همم أتباعه للقيام بالمزيد من الهجمات، مستخدماً أساليبه في غسيل الأدمغة بخطاب يدمج فيه زوال الدنيا وبقاء الآخرة.

وبإنكاره وجود أي علاقة بينه وبين المحاولة الانقلابية في أول تصريح له بعد الأحداث، يتوقع غولن من تلاميذه أن يقفوا إلى جانبه، وأن يقف المجتمع الدولي إلى جانبه أيضاً. غولن يسعى لتشكيل موجة مقاومة تقاوم الفشل بالمزيد من الصبر.

ومن الواضح أن شتات أتباع غولن يتمتعون بدعم كبير في العواصم الغربية، وهو ما يساعدهم على المقاومة. وفي رأيي الشخصي، ينقسم أتباع غولن إلى نوعين؛ الأول يتكون من أولئك الذين تعرضوا إلى غسيل دماغ عميق منذ طفولتهم، والثاني يضم التابعين الجدد الذين تعرفوا على التنظيم في وقت لاحق من حياتهم.

من الطبيعي والمتوقع أن يتمكن التابعون الجدد من الانسحاب من التنظيم، بعد شعورهم بالندم في أعقاب المحاولة الانقلابية. إلا أن التابعين من النوع الأول الذين يدينون للتنظيم بكل ما يملكون، فسيكون من الصعب عليهم فعل ذلك ما لم تتم السيطرة على غولن وسيواصلون تشكيل تنظيمات مشابهة خفية.

الجانب الآخر من الحرب على التنظيم تتمثل في الحاجة إلى تطبيع التابعين إليه، وذلك من خلال إعادة ضبط الرؤى الدينية لأولئك الذين يتم تغييبهم عن العمل في المؤسسات العامة.

كما يجب اتخاذ الإجراءات الضرورية مع أولئك الذين فقدوا معنى الحياة لديهم، وأصبحوا منعزلين عن المجتمع. إذ من اللازم الحيلولة دون تطور ميولهم الانتحارية والعنفية، وهنا يظهر الدور الأكبر لمؤسسات المجتمع المدني ورئاسة الشؤون الدينية في هذا الصدد.