تركيا لن تركع أمام بروكسل

بات القادة الأوروبيون في قلق شديد بعد الفوز المفاجئ للرئيس الأمريكي المقبل، دونالد ترامب. ولم يقتصر قلقهم هذا على الخشية من دعوة ترامب أوروبا إلى المشاركة بفاعلية أكبر في حلف شمال الأطلسي (الناتو). فالخشية الأساسية تكمن في الخوف من تفشي شعبوية اليمين المتطرف المتصاعدة في السنوات الأخيرة لتصبح هي المسيطرة على السياسات الأوروبية قريباً.

فاليمين المتطرف في أوروبا حقق انتصارات كبيرة بعد قرار بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي. وبعد تلقيهم ضربات عنيفة من "الديمقراطية الليبرالية"، شعر اليمين بالنشوة مع ظهور نتائج الانتخابات الأمريكية، وأصبحوا حريصين كل الحرص على استغلال اللحظة ومتابعة فريق حملة ترامب الانتخابية. فتنامي الشعبوية ومشاعر العداء للمهاجرين يقضيان تدريجياً على صدقية ليبرالية الغرب. والليبراليون الديمقراطيون يخسرون قوتهم مع تعمق أزمة الاتحاد الأوروبي.

وعلى نطاق أوسع، يقف النظام العالمي الغربي المركزي على حافة الهاوية. وللتاريخ، أود أن أقول هنا إنني لا أؤمن بأن قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانتصار ترامب المفاجئ يشيران إلى انتصار التيار المناهض للعولمة. فالتوصيف الأدق لهذا الوضع يمكن التعبير عنه بالقول إن العالم يفرز نوعاً جديداً من العولمة مبنياً على المخاوف من أن الصين واقتصادات أخرى عالمية قد استغلت النظام العالمي الحالي.

تعاد هيكلة العولمة الاقتصادية لتلبية حاجات الدول القومية الغربية، بتحريك من الشركات متعددة الجنسيات. ولكن يبقى من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الجهود لن تقود إلى تغيرات في إستراتيجيات وتحالفات الدول الكبرى. فالصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيجدون أنفسهم مضطرين إلى إعادة تعريف علاقاتهم تماشياً مع التغيرات العالمية. وبناء عليه، فإن قواعد التواصل ستخلق المزيد من الضغط على العلاقات المالية بين الصين والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن ترامب قد وعد بإعادة سوق فرص العمل إلى الولايات المتحدة، إلا أنه في الحقيقة لا يملك سوى أن يحرص على إبقاء الباب مفتوحاً أمام المنتجات الصينية، للحفاظ على مستوى معيشة الناخبين من الهبوط. أما الصين فقد تسعى إلى تحقيق انتصارات عسكرية في المحيط الهادئ لتعويض خساراتها الاقتصادية.

كما قد تغدو العلاقات الأمريكية الروسية أكثر تشابكاً وتعقيداً من المتوقع. فعلى الرغم من تعاطي ترامب الإيجابي مع روسيا، فإن احتمالات نشوء علاقة من نوع جديد بين روسيا وأوروبا قد تعطي الكرملين اليد العليا في تعاطيها مع أوروبا. وفوز مرشح رئاسي مقرب إلى روسيا في الانتخابات البلغارية الأخيرة ليس حدثاً عابراً أو يمكن النظر إليه بمعزل عن هذا الإطار. ومن المتوقع أن تعاني أوروبا كثيراً في مرحلة التحول هذه.

قد يواجه الاتحاد الأوروبي إشكالية في الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومحاولة السيطرة على القوميين الشعبويين في الدول الأعضاء. إضافة إلى صعوبة السيطرة على التوتر في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي في مثل هذه المرحلة. فالسياسيون الألمان الذين يشغلون مناصب في إدارة الاتحاد الأوروبي يرمون تركيا بتهديدات عبثية، مع اعتقادهم بأن الاقتصاد هو نقطة الضعف المركزية لتركيا، ساعين إلى فرض المزيد من الضغوط عليها من هذا الجانب.

إن محاولة لي ذراع تركيا في الوقت الذي تهدد فيه أزمة اللاجئين استقرار أوروبا ليست سوى لعب بالنار. وتصريحات رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز الملوحة بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا تفتقر إلى الحكمة والرؤية السياسية. ولا داعي للقول، إن الأتراك لن يخضعوا لبروكسل تحت تهديدات الإضرار باقتصادهم أو إيقاف محادثات الاتحاد الأوروبي.

الأسبوع الماضي، تناول أردوغان هذا السلوك الأوروبي مستهزئاً بشولتز، وكاشفاً عن اقتراح عقد استفتاء شعبي حول استكمال تركيا للسير في خط المفاوضات ما لم يتخذ الأوروبيون خطوات ملموسة حتى نهاية العام الجاري.

يبدو أن القادة الأوروبيين لا يدركون حدودهم وحجم قوتهم التي يملكونها أمام تركيا. ولا يدركون العلاقة الوطيدة بين استقرار أوروبا واستقرار تركيا. وفي ظل هذا الوضع، يبدو من المحتم أن يتم إبعاد أصحاب القوة في بروكسل على يد موجة الشعبوية في أوروبا.