تحذير واشنطن من منطقة مضطربة

اسطنبول

ما لم تتمكن تركيا والولايات المتحدة من التعاون في مواجهة الفوضى الإقليمية المقبلة، فإن "الحلفاء" قد ينتهي بهم المطاف إلى مزيد من الانفصال.

جاءت زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدريم إلى الولايات المتحدة مع اقتراب الاستقطاب السعودي الإيراني للتحول إلى صراع ملتهب، بعد إطلاق الصواريخ الباليستية من اليمن على السعودية واستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري والاعتقالات التي أمر بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التي غيرت ميزان القوى في الرياض بشكل جذري.

كتب هذا النص قبل لقاء رئيس الوزراء يلدريم مع نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس. ومع ذلك، ربما كان الاجتماع يركز على أمرين: ضرورة تدشين بداية جديدة للعلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، ومخاطر الاستقطاب السعودي الإيراني في الشرق الأوسط. وبشكل أكثر تحديدا، دعت الحكومة التركية واشنطن إلى إضعاف الجماعات التي تسمم علاقتهما، ووقف التجاذب الإعلامي حول قضية وكيل القضاء وإعادة التركيز على الصورة الكبيرة من أجل إنقاذ المنطقة من كوارث أكبر بكثير.

يبدو أن الجميع يوافقون على أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة لم تكن ثابتة بشكل عام. بل شهد التاريخ، فترات صعود وهبوط في العلاقات الثنائية بين الدولتين. ومع ذلك، فإن المشاكل بين أنقرة وواشنطن في فترة عدم اليقين العالمي والصراعات الإقليمية تدل على نوع مختلف من الأزمة الهيكلية الموجودة فعلا. وما لم يضع البلدان دبوسا على المشاكل القائمة لإصلاح علاقتهما، والأهم من ذلك، وضع جدول أعمال جديد لتعزيز تعاونهما، فإن الفوضى الإقليمية والعالمية القادمة يمكن أن تلحق أضرارا لا يمكن إصلاحها في علاقات البلدين.

كنت في واشنطن عندما بدأ الربيع العربي، وأذكر جيدا أن صناع القرار والخبراء كانت لديهم نظرة إيجابية حول تركيا. ومع ذلك، تلقت تلك العلاقة ضربة في عام 2013 عندما حاولت إدارة أوباما ترك تركيا تتعامل مع الحرب الأهلية السورية وحدها. ومنذ ذلك الحين والأمور تزداد سوء.

انطوت سياسة واشنطن في سوريا على ثمن باهظ لتركيا. دعونا نتجاهل أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ عبروا الحدود التركية السورية لمدة دقيقة. قامت حكومة الولايات المتحدة بتقديم الدعم العلني لمقاتلي "ي ب ج" الإرهابية، وهم الفرع السوري لتنظيم "بي كا كا" الذي تعتبره واشنطن منظمة إرهابية. وقد أدار صناع السياسة في الولايات المتحدة ظهرهم إلى تحالف واشنطن مع تركيا وتعهدهم بمكافحة الإرهاب من خلال اتخاذ مثل هذه الإجراءات في سوريا.

وأخيرا، أدى موقف أمريكا بإهمال محاولة الانقلاب على الحكومة التركية المنتخبة في 15 تموز / يوليو، إلى جانب إيواء قائد المنظمة الإرهابية التي قامت بالانقلاب "فتح الله غولن"، إلى وصول العلاقات إلى الوضع الحالي. وبينما يتحول الشعب التركي إلى شعب مناهض للولايات المتحدة بشكل متزايد ودائم، يتجول إرهابيو "منظمة غولن" في قاعات المؤتمرات في واشنطن كل يوم.

وحتى أكثر المعارضين "المعتدلين" لتركيا يدعون إلى التمييز بين جمهورية تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان لتركيز هجماتهم على الأخير.

في هذه الأثناء، تود أنقرة أن تعمل مع الولايات المتحدة لبناء مستقبل ما بعد داعش لسوريا. ويشعر المسؤولون الأتراك بعدم ارتياحهم لأنهم يمكن أن يتعاونوا مع روسيا وإيران حول "نزع التوتر" لكنهم لا يستطيعون فعل الشيء نفسه مع واشنطن.

بطبيعة الحال، كان آخر مثال على تجاهل واشنطن لتركيا هو قرار أميركا العمل مع مقاتلي "ي ب ج" الإرهابية لدحر إرهابيي داعش من الرقة، بدلا من أن يتعاونوا مع الحكومة التركية لتحقيق هذا الهدف. وحتى الآن تحث تركيا الولايات المتحدة على وقف التعاون مع منظمة "ي ب ج" الإرهابية، واستعادة الأسلحة المسلّمة لتلك المنظمة الإرهابية، وإطلاق مفاوضات مع اللاعبين الذين يمثلون الشعب السوري، وإحلال السلام في سوريا بإحياء عملية جنيف. لكن واشنطن لم تكشف بعد عن سياستها بعد داعش في سوريا.

وفيما يتعلق بالبند الثاني من جدول أعمال يلدريم، أعلنت إدارة ترامب بالفعل أنها تريد احتواء إيران. ومنذ زيارة الرئيس ترامب للرياض في مايو الماضي، أصبحت السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى أكثر نشاطا في السياسة الإقليمية. وإثر ذلك، يتبادر إلى الذهن الأحداث الأخيرة من الحصار المفروض على قطر واستقالة رئيس الوزراء اللبناني وحملة ولي العهد السعودي لتعزيز سلطته.

في الوقت الحاضر، تشعر تركيا بالقلق من أن الحركات المناهضة لإيران يمكن أن تؤدي إلى حرب إقليمية. ويحذر الأتراك من أن الصراع الملتهب مع إيران، سواء في شكل المواجهة السنية الشيعية أو التنافس بين القومية العربية والفارسية، لن يؤدي إلا إلى إراقة الدماء.

وما لم تتمكن تركيا والولايات المتحدة من التعاون في مواجهة الفوضى الإقليمية المقبلة، فقد ينتهي المطاف "بالحلفاء" إلى مزيد من الانفصال.