العمل العسكري التركي ضد "ي ب ك" أمر لا مفر منه

اسطنبول

اسمحوا لي أن أبدي هذه النقطة بصورة أوضح: إن تركيا تعتقد أن الولايات المتحدة تقوم بتحويل منظمة إرهابية إلى دولة وتعتبر هذه الخطوة معادية.

في الوقت الذي اقتربت فيه تركيا من عملية عسكرية وشيكة في عفرين، أخذ الدعم طويل الأجل الذي تقدمه الولايات المتحدة لفرع منظمة "بي كا كا" الإرهابية في سوريا، أو ما يعرف بمنظمة "ي ب ك"، بالوصول إلى مستوى جديد. وفي نهاية الأسبوع، أعلن الائتلاف العالمي لهزيمة داعش أنه سيعمل على إنشاء قوة أمن حدودية قوامها 30 ألف شخص، نصفهم من مقاتلين من حزب العمال الكردستاني - وحدات حماية الشعب - متخفين على أنهم القوات الديمقراطية السورية.

وهذا الذي يسمى بـ "جيش الشمال" سيحرس الأجزاء التي تسيطر عليها "ي ب ك" في شمال سوريا على طول الحدود التركية والعراقية. وعلى هذا النحو، أصبحت رؤية بريت ماكغورك، التي ظهرت بصماتها على معركة إدارة أوباما ضد داعش، حجر الزاوية في إستراتيجية إدارة ترامب بعد داعش.

وفي ضوء آخر التطورات، أصبح من الواضح أن شراكة واشنطن مع مقاتلي "ي ب ك" لم تكن خطوة تكتيكية، كما ادعى بعض المسؤولين الأمريكيين على مر السنين، ولكن خيار إستراتيجي. وعلى هذا النحو، لم يعد سرا أن شحنة الآلاف من الطائرات والشاحنات من الأسلحة إلى المجموعة لم تكن تهدف فقط إلى تسهيل حملة مكافحة داعش. وكان مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد ساترفيلد قد صرح الأسبوع الماضي للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بأن الولايات المتحدة يجب أن تبقى في سوريا، الأمر الذي يترجم بوضوح إلى حكومة محلية تسيطر عليها "ي ب ك" على الأرض.

وفي المستقبل، فإن الأولوية القصوى لإدارة ترامب في سوريا ستكون حماية قواعدها العسكرية من أجل الحفاظ على أهميتها. مع الأخذ في الاعتبار أن السيد ساترفيلد قد تلقى لكمة في عملية سوتشي، فمن الممكن أن نستنتج أن واشنطن لديها مخاوف بشأن إلى أين الاتفاق بين روسيا وإيران وتركيا سوف يأخذ سوريا.

على هذا النحو، فإن الولايات المتحدة ترغب في استخدام وكيلها على الأرض "ي ب ك"، لتشكيل مستقبل البلاد. وفي واقع الأمر، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن الجهود الرامية إلى تحويل مقاتلي "ي ب ك" إلى نوع من الجيش من شأنه أن يعرض السلامة الإقليمية لسوريا للخطر.

وعلاوة على ذلك، ترغب واشنطن في إنشاء منطقة حكم ذاتي في شرق نهر الفرات لحماية مصالحها ضد إيران. ثالثا، يود المسؤولون الأمريكيون استمرار "انضباط" تركيا من خلال استمرار تهديد منظمتي "بي كا كا" و "ب ي د" في شمال سوريا. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تنفي أن تصرفاتها تستهدف تركيا، فإن صناع السياسة التركية وعامة الناس قد توصلوا بالفعل إلى هذا الاستنتاج.

واسمحوا لي أن أبدي هذه النقطة بصورة أوضح: إن تركيا تعتقد أن الولايات المتحدة تقوم بتحويل منظمة إرهابية إلى دولة وتعتبر هذه الخطوة معادية.

في الأشهر الأخيرة، أعرب الرئيس رجب طيب أردوغان مرارا عن حرصه على العمل مع الولايات المتحدة في سوريا في محاولة لوقف إدارة ترامب عن دعم الإرهابيين في المنطقة. ومع ذلك، فإن دعم واشنطن لمنظمة "بي كا كا" - "ب ي د" وصل إلى مستوى معين، يمكن أن يلحق ضررا لا يمكن إصلاحه في العلاقات التركية الأمريكية.

ولكي نكون واضحين، هذه ليست مجرد إشاعات بأن الطائرات الحربية الأمريكية قامت بإسقاط الأسلحة والذخائر إلى مقاتلي "بي كا كا" خلال عملية المطرقة في التسعينيات. واليوم، تبذل واشنطن جهدا خطيرا لتحويل منظمة إرهابية تقاتلها تركيا منذ عام 1984 إلى "دولة". ولا يمكن لحكومة حزب العدالة والتنمية أن تحجب موجة معاداة أمريكا التي أثارتها هذه السياسة.

إن الدعوة الأخيرة التي وجهها دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية، للتعاون مع إيران ليست سوى مقدمة لما ينتظرنا. وبعد زيادة دعمها لمقاتلي "ي ب ك" على الرغم من اعتراضات تركيا، فإن الولايات المتحدة تجبر الأتراك على إجراء تغييرات معينة في السياسة.

وعند هذه النقطة، يود المسؤولون الأمريكيون من أنقرة أن تتفق مع وجود ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بقيادة "ي ب ك" فى شمال سوريا بشرط أن لا تستهدف الجماعة تركيا، تماما مثل الحكومة الإقليمية في شمال العراق. ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أن أيا من مسعود برزاني ولا جلال طالباني غير منخرطين في صراع مفتوح مع الأتراك.

وعلى النقيض من ذلك، لا يزال تنظيم "بي كا كا" يشكل تهديدا وجوديا ضد سلامة أراضي تركيا وبقائها. ومما يزيد الأمور سوءا أن جهود واشنطن الرامية إلى إنشاء "حكومة محلية" تسيطر عليها منظمة "ي ب ك" تهدف إلى تشجيع إدماج المنظمة في عمليات أستانا وسوتشي من قبل الروس.

عند هذه النقطة، تركيا لديها ثلاثة خيارات:

1. على الأتراك التعويل على سياسة إزالة مقاتلي "ي ب ك" من الحدود السورية. ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن يجدوا طريقة لإطلاق العمليات العسكرية ضد الأراضي التي تحتلها "ي ب ك" بما فيها عفرين ومنبج. في الواقع، قال الرئيس أردوغان في وقت سابق من هذا الأسبوع أن "مسؤوليتنا هي خنق هذا الجيش من الإرهاب قبل أن يولد"، وأشار إلى أن العملية العسكرية المتوقعة بشكل كبير يمكن أن تبدأ في أي وقت.

2 - وثمة خيار آخر يتمثل في زعزعة استقرار المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو "ي ب ك" المدعومة من الولايات المتحدة من خلال أساليب مختلفة منها تعبئة العشائر المحلية والجيش السوري الحر واستهداف قادة المنظمة "ي ب ك". وعلى هذا النحو، يجب وقف الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة للتوفيق بين مقاتلي "ي ب ك" وبين الطائفة السنية - وفي هذه الحالة يجب على تركيا أن تكون مستعدة لشن حرب استنزاف طويلة.

3 - وأخيرا، يمكن أن تتسامح تركيا مع وجود منظمة "ي ب ك" في شمال سوريا دون الاعتراف بأنها قوة شرعية، شريطة ألا تستهدف تلك المنظمة المواطنين الأتراك.

وليس سرا أن الشعب التركي لن يقبل بالخيار الثالث. ولا يحتاج الأمر لعبقرية كبيرة لمعرفة ما يجب القيام به إذا اختارت تركيا واحدة من الخيارات الأخرى المتبقية.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.