خطوات نحو توازن جديد في سوريا؟

إسطنبول

إذا ما لجأ الأمريكيون مجدداً إلى أسلوب "العصا والجزرة" القديم خلال المفاوضات حول مصير (ي ب ك) من أجل التأثير على المشاكل الثنائية الأخرى فإنهم سيوجهون ضرراً لا يمكن إصلاحه إلى ثقة تركيا بهم. وبعد رفضها اتخاذ إجراء ضد فتح الله غولن ومنظمة غولن الإرهابية، بل الذهاب أبعد من ذلك في إغراق الأتراك بمحاكمة استعراضية في نيويورك، ترتكب واشنطن خطأ فادحاً إذا ما هددت بفرض عقوبات عوضاً عن تقديم المقترحات.

من كان يعتقد أن هزيمة داعش ستؤدي إلى خفض التوتر في سوريا فإنه سيشعر بإحباط شديد حتماً. إذ ليس من المرجح أن تنتهي الاشتباكات الدائرة على الأرض ولا المفاوضات في وقت قريب، ووقوع جزء كبير من الأراضي السورية تحت سيطرة وحدات حماية الشعب (ي ب ك) والحضور الإيراني النافذ يغذيان الصراع في الوقت الحالي.

من الواضح أن جميع الأطراف تعلم جيداً وبصورة تامة أن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه، ويوماً بعد يوم، يقوم المعنيون الرئيسيون في الصراع، روسيا، والولايات المتحدة، وإيران وتركيا بتوجيه تهديدات وتحذيرات إلى بعضهم بعضا.

على سبيل المثال، هددت واشنطن مؤخراً نظام الأسد وداعميه، روسيا وإيران، لافتة إلى استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية. وبعدما عرفت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية مجدداً إيران بوصفها عدواً، رأى علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، قبل أيام، أن الولايات المتحدة سوف تفشل في سوريا كما فشلت في العراق مهدداً بطرد قواتها من شرق الفرات ما لم تنسحب طوعاً.

في الوقت نفسه، وفي مقابل دعوات تركيا القوات الأمريكية للانسحاب من منبج، صرح مسؤولون في القيادة المركزية (سنتكوم) بأنهم سيقومون بالرد في حال تعرض قواتهم لهجوم. تلك التهديدات ليست مجرد كلمات، فهي تترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.

ففي هذه الأثناء، تواصل القوات التركية والجيش السوري الحر تقدمهما نحو قلب عفرين، وحتى اليوم، هناك أكثر من 1000 قتيل من الإرهابيين. ومجدداً تأتي أخبار من دير الزور عن اشتباكات عنيفة، بينما تواصل روسيا ونظام الأسد هجماتهما على إدلب والغوطة الشرقية.

أما الولايات المتحدة فقد وجهت ضربات لقوات النظام التي هاجمت مسلحي (ي ب ك) في دير الزور، فيما تشير حقيقة وقوع قرابة 100 قتيل في صفوف قوات النظام والمليشيات الموالية له إلى جدية واشنطن في بعض رسائلها ومقترحاتها حول زيادة ضرورة حضورها العسكري في سوريا، إذا كانت تريد مواصلة حماية مسلحي (ي ب ك) والبقاء هناك. وبالنظر إلى أنه من غير المرجح أن يقر الكونغرس مثل هذه الخطة، فإنه لا خيار أمام البيت الأبيض سوى الاتكاء على الدبلوماسية.

في النهاية، استطاعت تركيا وروسيا وإيران التعاون في سوريا رغم التحديات، وقام قادة هذه الدول مراراً بوضع خلافاتهم في وجهات النظر جانباً من أجل العمل معاً واتخاذ خطوات مشتركة. وكما اجتمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني حسن روحاني في سوتشي نوفمبر الماضي، سيجتمعون مجددأ في مدينة إسطنبول قريباً. إن التعاون بين هذه الدول الثلاث يجبر الولايات المتحدة على تطوير سياسة جديدة بغية البقاء على صلة بالوضع في سوريا.

حالياً، يلعب الأمريكيون دور الدفاع في الميدان وعلى طاولة التفاوض، ويبقون معزولين. لقد تسببت سياسة واشنطن المضللة وقصيرة النظر الخاصة بـ(ي ب ك) في ابتعاد حليفها في الناتو، تركيا، والتي شددت على ضرورة أن ينسحب المسلحون من منبج، وتوعدت بإزالة مسلحي (ي ب ك) من معاقلهم في شرق نهر الفرات.

ليس سراً أن روسيا وإيران ونظام الأسد سيلتفتون إلى مسلحي (ي ب ك) المدعومين أمريكياً فور تبلور توازن قوى جديد في إدلب. وفي ضوء هذه التطورات، يتعين على الولايات المتحدة اتخاذ بعض القرارات الإستراتيجية فيما يتعلق بسياستها في سوريا، وإلا فإن الأمريكيين سيواصلون لعب دور الدفاع.

غني عن التذكير أن تركيا تبقى الشريك الأقرب إلى الولايات المتحدة في سوريا، وإن قرار مستشار الأمن القومي الأمريكي الجنرال هربرت ماكماستر ووزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بزيارة تركيا في هذه المرحلة العصيبة يشهد لهذه الحقيقة. لكن ليس من الواضح كيف سيستجيب صناع القرار السياسي الأمريكيون لآفاق التعاون مع الأتراك في سوريا.

إذا ما لجأ الأمريكيون مجدداً إلى أسلوب "العصا والجزرة" القديم خلال المفاوضات حول مصير (ي ب ك) من أجل التأثير على المشاكل الثنائية الأخرى فإنهم سيوجهون ضرراً لا يمكن إصلاحه إلى ثقة تركيا بهم. وبعد رفضها اتخاذ إجراء ضد فتح الله غولن ومنظمة غولن الإرهابية، بل الذهاب أبعد من ذلك في إغراق الأتراك بمحاكمة استعراضية في نيويورك، ترتكب واشنطن خطأ فادحاً إذا ما هددت بفرض عقوبات عوضاً عن تقديم المقترحات.

لقد أدت سياسة واشنطن في سوريا إلى دفع تركيا ثمناً باهظاً إلى درجة أن التهديد بالتسبب بمزيد من المشاكل لها على خلفية الشراكة بين أنقرة وموسكو وطهران سيمثل القشة التي تقصم ظهر البعير. وفي تلك الحال، ستواصل تركيا حوارها وتعاونها مع روسيا وإيران، بينما تصبح الولايات المتحدة معزولة أكثر فأكثر في سوريا.

أكثر من ذلك، يحتاج الدبلوماسيون الأمريكيون الذين يزورون أنقرة لبيع الأتراك سياسة احتواء إيران أن يطلعوا على بعض الأنباء الجيدة. فبعد كل شي ثمة توازن جديد يتبلور في سوريا، وإن اختيار الولايات المتحدة بين الانخراط في جولة مفاوضات جديدة، أو انتظار المزيد من التهميش، هو أمر يعود إليها.