أمران حققتهما تركيا في عفرين

اسطنبول

استغرق الأمر 58 يومًا فقط للقوات المسلحة التركية، والجيش السوري الحر، لتحرير مركز مدينة عفرين. إن الدعوات المتكررة من قبل تنظيم "ب ي د" التابع لـ"بي كا كا" الإرهابي من أجل مقاومة العملية، ودعم المصفقين لهم في وسائل الإعلام الغربية أثبتا أنهما غير مجديين لوقف عملية عسكرية ناجحة. في النهاية، فرّ مقاتلو "ب ي د/بي كا كا" من الجزء الأكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية في شمال غرب سوريا يجرون أذيال الخيبة والعار، دون أن يجرؤوا على الدخول في حرب شوارع حتى.

ربما يعتقد كبار قادة تنظيم "بي كا كا" في قنديل أنهم تجنبوا الأخطاء التي وقعوا بها في مناطق "سور وجيزره و سيلوبي" عن طريق إخلاء عفرين. وربما يظنون أنهم يستطيعون التأثير على مؤيديهم من خلال الحديث عن الانسحاب الإستراتيجي وإخبارهم بأن خسارة المعركة ليست خسارة الحرب. لكن لا تلك التعليقات ولا التهديدات من قبل "بي كا كا" ستغير حقيقة أن المنظمة تعرضت لهزيمة مذلة.

في ثمانية أسابيع فقط، فقد الإرهابيون منطقة ذات أغلبية كردية يسيطرون عليها لسنوات. ولكي نكون واضحين، فإن هذه الهزيمة تمثل نقطة تحول بالنسبة إلى وجود "ب ي د" في شمال سوريا ومستقبل "بي كا كا" الإرهابي في العراق.

إضافة إلى استعراض قوته العسكرية، أثبت الجيش التركي وشركاؤه السوريون أن تحرير جميع المناطق التي يسيطر عليها "ي ب ك" في سوريا سيستغرق بضعة أشهر فقط إذا توقفت الولايات المتحدة عن حماية المنظمة. بالطبع، يرجع الفضل في نجاح عملية غصن الزيتون للقوات التركية وقوات المعارضة السورية. إذ أظهرت العملية استعدادهم القتالي، وفعالية برامج التدريب والتجهيز، وأظهرت العملية أيضا خطأ قرار "ب ي د" القاضي بمقاومة حرب تقليدية بهذا الشكل.

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية ترغب في تصوير العملية على أنها مذبحة للأكراد، فقد تمكنت تركيا من التواصل بشكل فعال مع الجماهير المحلية وكذلك مع شعب عفرين. من خلال تجنب الخسائر في صفوف المدنيين بعناية، إذ أرسل الجيش التركي رسالة واضحة مفادها أن العملية استهدفت مسلحين من "ب ي د" لا الأكراد السوريين. مع الأخذ في الاعتبار أن العمليات الأمريكية في الموصل والرقة أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين وتدمير مراكز المدن، فيما ظلت المراكز الحضرية الكبرى مثل جندريس وعفرين دون أذى طوال العملية.

والأهم من ذلك أن القيادة والمتابعة القوية للرئيس رجب طيب أردوغان كانتا القوة الدافعة وراء الانتصار في عفرين. في غياب قيادة أردوغان، لم يكن من الممكن تخيل أن الجيش التركي، الذي شهد محاولة انقلاب 15 يوليو وإقالة ضباط غولن، قام بتنفيذ عمليات حاسمة مثل درع الفرات وغصن الزيتون. كانت هذه القيادة هي التي حولت تركيا إلى لاعب بارز في منطقة النزاع وعلى طاولة المفاوضات.

من الآن فصاعدًا، يتعين على تركيا وضع خطط عسكرية جديدة لإزالة التنظيمات الإرهابية من تل رفعت وإدلب ومنبج في سوريا وسنجار في شمال العراق. وفي الوقت نفسه، يجب على القوات المدعومة من تركيا إزالة المتفجرات والعبوات وغيرها من الأخطار في عفرين، واستعادة النظام العام، وبالتعاون مع الأكراد المحليين، تشكيل إدارة محلية جديدة. وكما هو الحال في مناطق درع الفرات، يجب على تركيا تسهيل عودة اللاجئين السوريين، وخاصة الأكراد، إلى منازلهم في عفرين.

شكّل مؤتمر تحرير عفرين في غازي عنتاب بداية جيدة. ولكي نكون واضحين، فإن الاستيلاء على مدينة عفرين بسرعة وبدون أضرار قد أعطى بعض الفرص لتركيا، الأمر الذي قد يحتمل دحض ادعاءات قادة "بي كا كا" والحكومات الغربية بأن أنقرة تستهدف الأكراد. إن إنشاء نظام جديد في عفرين مع أكراد محليين وعرب محليين أجبرتهم قوات "ب ي د" على النزوح قد يثبت أن تركيا هي التي جلبت السلام والاستقرار إلى المناطق الكردية السورية. وعلى مدى الأسابيع والأشهر المقبلة، من الممكن خلق ديمقراطية محلية حقيقية في عفرين.

كان الانتصار في عفرين بمثابة بداية عمليتين حاسمتين لتركيا. أولاً، أصبح مستقبل "ي ب ك" في سوريا الآن جزءاً من المفاوضات، ولدى تركيا الآن اليد العليا في المحادثات مع لاعبين بارزين آخرين. أثبتت الدولة أنها قادرة على الحصول على النتائج بسرعة وألمحت إلى أن العمليات المستقبلية يمكن أن تتبع ذلك. ثانياً، قامت تركيا بتجريد "ي ب ك" من بطاقته الكردية. من خلال خلق بيئة سلمية في عفرين للأكراد السوريين، وسترسخ أنقرة بشكل نهائي أن "ي ب ك" لا يمثل الشعب الكردي.

في الوقت الحالي، دعونا نتجاهل تهديدات "ي ب ك" حول جعل عفرين كابوسًا مستمرًا لتركيا. هم يعرفون تماماً أن زعزعة استقرار هذا الجزء ذي الأغلبية الكردية في سوريا لن يؤدي إلا إلى تسريع هزيمتهم في المناطق الأخرى التي يسيطرون عليها حالياً.