الطموح الفرنسي في سوريا.. نصر صغير وإستراتيجية محدودة

اسطنبول

لا يمكن للغرب أن يتوقع جديا أن باستطاعته زرع إسفين بين تركيا وروسيا ما لم يلتزم بإسقاط الأسد من السلطة أو التخلي عن دعم "ي ب ك". لذلك، يجب على الرئيس الفرنسي أن يبدأ التركيز بدلاً من أحلام اليقظة حول انتصار صغير وسهل في سوريا.

منحت الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على مواقع النظام في سوريا شعوراً بالنصر للجميع. حيث احتفل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانتصاره بإعلانه على تويتر أنه تم إنجاز المهمة. في المقابل، أمر الدكتاتور السوري بشار الأسد أنصاره بالنزول إلى شوارع دمشق والاحتفال بانتصاره هو. فيما امتنعت روسيا وإيران عن الترحيب بالغارات الجوية المحدودة والمعلنة مسبقاً، وأعربت تركيا عن دعمها للعملية.

كانت التفسيرات المتنافسة لماهية الضربات الجوية بالضبط أقل إثارة للاهتمام. وقال الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرغ، إن العملية كانت بمثابة رسالة واضحة لنظام الأسد ومؤيديه: روسيا وإيران. في المقابل، اشتكت وسائل الإعلام الأميركية والبريطانية من أن مثل هذه الهجمات المحدودة لن توقف النظام السوري.

الآن هناك حديث عن استعدادات تجريها إدارة ترامب لفرض عقوبات إضافية على روسيا لتورطها المزعوم في هجوم دوما الكيماوي. وفي الوقت نفسه، لا يعرف صانعو السياسة ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على احتواء روسيا وإيران دون تطوير سياسة شاملة لسوريا أولاً.

لكن التصريح الأكثر إثارة للاهتمام جاء من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي حاول أن يدعو نفسه إلى قمة ثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران في وقت سابق من هذا الشهر. مدعيا أن قدرات الحرب الكيميائية للأسد قد دمرت، مانحا نفسه الفضل في الحديث مع ترامب وإقناعه في البقاء في سوريا. وأضاف ماكرون أن الغارات الجوية الأخيرة أحدثت إسفينًا بين تركيا وروسيا.

ليس سرا أن تعزيز تركيا تعاونها مع روسيا قد أزعج الحكومات الغربية. وليس من المستغرب أن تناقش وسائل الإعلام الغربية بإسهاب ما إذا كانت السياسة الخارجية التركية قد وقعت فريسة لتغيير محورها. لدي شعور أن الرئيس الفرنسي لم يتمكن من تحليل موقف تركيا الداعم للاستجابة الغربية بشأن الهجوم الكيميائي الأخير بدقة. فمنذ سنوات، وأنقرة تدعو المجتمع الدولي لمعاقبة النظام السوري على تعديه الخطوط الحمراء.

وكان القادة الأتراك من بين أشد منتقدي الغرب لفشلهم في تطوير سياسة شاملة لسوريا وغض الطرف عن مجازر الأسد. وفي هذه الأثناء، يواصل المسؤولون الأتراك شرحهم لنظرائهم الفرنسيين والأمريكيين لماذا تسليح ميليشيا "ب ي د" الإرهابية التابعة لمنظمة "بي كا كا" المصنفة على قوائم الإرهاب، باسم قتال داعش كان فكرة سيئة. دعونا لا ننس أن افتقار الغرب إلى سياسة متماسكة إضافة إلى تبنيهم أنشطة معادية للأتراك، هي من بين الأسباب التي وضعت الأساس لتوثيق التعاون بين روسيا وإيران وتركيا في سوريا رغم وجود مصالح متنافسة على الأرض. ولكي نكون واضحين، فإن قرار ماكرون باستضافة مجموعة من مسلحي تنظيم "ي ب ك" الإرهابي في باريس لم يكن مفيدًا تمامًا أيضًا.

وأخيرًا، من المهم ملاحظة أن أنقرة لم تمتنع أبدًا عن العمل مع اللاعبين الآخرين الذين تتداخل أهدافهم في سوريا مع رؤيتها الخاصة. واقتراح تركيا تحرير الرقة بالتعاون مع الولايات المتحدة هو مثال على ذلك. ليس من المستغرب أن تركيا، التي كانت دائما ضد نظام الأسد منذ اندلاع الثورة ضده، ستدعم الغارات الغربية ضد هذا النظام. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الرئيس رجب طيب أردوغان أثار مرارا وتكرارا مسألة الضحايا المدنيين في المكالمات الهاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن، فكرة أن عملية محدودة ضد أهداف النظام يمكن أن تعرقل شراكة تركيا مع روسيا غير واقعية. العلاقات التركية الروسية، التي نجت من إسقاط تركيا لطائرة روسية واغتيال سفير موسكو في أنقرة، تتسم بالمرونة الكافية للتغلب على الغارات الجوية الأسبوع الماضي. هي علاقة تقوم على المصالح المتبادلة بدلاً من الاستقطاب الأيديولوجي. وتخدم مصالح البلدين.

لا يمكن للغرب أن يتوقع جديا أن باستطاعته زرع إسفين بين تركيا وروسيا ما لم يلتزم بإسقاط الأسد من السلطة أو التخلي عن دعم "ي ب ك". لذلك، يجب على الرئيس الفرنسي أن يبدأ التركيز بدلاً من أحلام اليقظة حول انتصار صغير وسهل في سوريا. ولكي نكون واضحين، فإن لدعمه لتنظيم "ي ب ك" الإرهابي، تأثيرا سلبيا على العلاقات التركية الفرنسية والتركية الأوروبية. إذا كان ماكرون يريد أن يأخذ مجهوده الدبلوماسي الأخير إلى ما بعد المسرحية، فعليه ألا يخون ثقة أنقرة. وفي النهاية، لا يمكن لباريس العثور على مقعد على طاولة المفاوضات عن طريق استعداء تركيا.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.