الناخبون الأتراك يسطّرون دروسا في الإستراتيجية الانتخابية

اسطنبول

للحكومات الغربية نقول: ليس أمامك خيار سوى إعادة تقييم أولوياتك والعمل مع تركيا تحت قيادة أردوغان. لقد جاء الضغط المتصاعد على تركيا بنتائج عكسية. الآن، حان الوقت للتركيز على التعاون.

خرجت تركيا من انتخابات 24 يونيو، والتي مثّلت مرحلة حرجة في تاريخ أمتنا السياسي، مع نضج ديمقراطي كبير. وكلنا رجاء أن تخدم النتائج بلدنا وشعبنا بشكل جيد.

إذ اختارت الأغلبية الساحقة من الناخبين الأتراك يوم الأحد الماضي، رجب طيب أردوغان باعتباره الزعيم السياسي الأوحد لقيادة البلاد إلى المستقبل. حصل أردوغان على 52.4 في المائة من الأصوات ليصبح أول رئيس دولة يخدم في ظل النظام الرئاسي.

في نفس الوقت، حسم تحالف الشعب، الذي ولد من المقاومة الشعبية ضد محاولة انقلاب 15 يوليو، الأغلبية البرلمانية. ووفقا لنتائج غير رسمية، حصل حزب العدالة والتنمية "AKP" على 295 مقعد، وحزب الشعب الجمهوري "CHP" على 147 مقعدا. فيما حصل حزب الشعوب الديمقراطي "HDP" على 67 مقعدًا، وحزب الحركة القومية "MHP" على 48 مقعدا، والحزب الجيد "IP" على 43 مقعدا، فيما سيتم تمثيل الحزب الديمقراطي (DP) وحزب السعادة (SP) وحزب الاتحاد العظيم (BBP) في البرلمان في الفترة القادمة.

بالإضافة إلى أنه أبقى على السلطة في يد أردوغان وحزبه "حزب العدالة والتنمية" لمدة 16 عاما مستمرة، كان فوز الانتخابات يوم الأحد جديرا بالاهتمام لأسباب عديدة. لقد كانت قدرة الرئيس التركي على خلق مزيج شعبي من الاستقرار والتغيير والخدمة العامة والهوية هو ما أدى إلى نجاحه. ومع ذلك، فإن حقيقة أن حزب العدالة والتنمية سيسيطر على غالبية المقاعد البرلمانية مع حزب الحركة القومية، يعني أن القيم الأساسية لتحالف الشعب يجب أن يتم دعمها للأمام.

أولاً: وقبل كل شيء، أثبتت انتخابات 24 يونيو أن أردوغان سيشرف على ثاني تحول كبير في الجمهورية التركية. كانت أول محاولة إصلاح قام بها رئيس الوزراء عدنان مندريس وحزبه الديمقراطي، الذي عزز الديمقراطية متعددة الأحزاب في الخمسينيات. ثم بدأت فترة الإصلاح الحالية مع الاستفتاء على الدستور في 16 أبريل 2017 وتتضمن تنفيذ نظام جديد للحكومة. خلال السنوات الخمس القادمة، سيشرف أردوغان على الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بالإضافة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على القواعد الجديدة. مع الأخذ في الاعتبار أن الممارسات الأولية في إطار النظام الجديد ستؤسس سوابق للمستقبل، لا شك أن المهمة صعبة أمامه. لكن في الوقت نفسه، فإن مهمته لإعادة بناء تركيا تخلق مساحة للتجديد.

هناك العديد من الدروس التي يمكن استخلاصها من انتخابات يوم الأحد. أولا، استقطاب الناخبين الأتراك، الذين يحبون التصويت إستراتيجيا، كان أكثر قليلا هذه المرة من المعتاد. من الممكن القول إن هذا الاتجاه سيستمر مع ازدياد الطابع المؤسساتي للنظام الرئاسي. لذلك، يجب أن تتعلم الأحزاب السياسية المختلفة ومرشحوها من سلوك الناخبين.

في الواقع، الجدير بالذكر أنه حتى أردوغان، الذي فاز بالانتخابات في الجولة الأولى بفارق 20 نقطة، أقر بأنه "تلقى" رسالة الناخبين لحزب العدالة والتنمية خلال خطاب شرفه.

يجب على حزب العدالة والتنمية تحليل سبب أداء أردوغان بشكل أفضل من حزبه والحفاظ على التزامه بالتجديد. من المهم الإشارة إلى أن الانتخابات البلدية في مارس 2019 ستكون أول اختبار لأداء حزب العدالة والتنمية في ظل النظام الجديد للحكومة.

محرم إينجة، الذي رشح نفسه للرئاسة نيابة عن حزب الشعب الجمهوري، حصل على 8 نقاط أكثر من حزبه، ليثبت أنه يملك القدرة على لعب دور دائم أكثر داخل الحزب. وقد ظهر أمام الكاميرات يوم الاثنين، وأكد أن "مرشح في حزب الشعب الجمهوري كسر حاجز الـ 30% لأول مرة منذ 41 عاما." ومع ذلك ، فإن قدرته على تنشيط قاعدة حزب الشعب الجمهوري لم تنجح في حرمان صاحب الصدارة من الفوز في الدور الأول. بالإضافة إلى إثبات أنه كان من الصعب للغاية هزيمة أردوغان، وأبرزت انتخابات يوم الأحد شغف إنجة بالبقاء في السياسة. لكن يبقى أن نرى ما إذا كان سيطعن في رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو أم لا. من الواضح أن بعض مؤيدي حزب الشعب الجمهوري صوتوا لصالح حزب الشعوب الديمقراطي والحزب الجيد، لمساعدة هذه الأحزاب على تخطي العتبة الانتخابية البالغة 10% من الأصوات. لذلك، من المفترض أن تواجه قيادة حزب الشعب الجمهوري الانتقادات بسبب مساعدته لـ HDP في يوم الانتخابات.

كما أصبح واضحًا أن عتبة الـ 10% قد عفا عليها الزمن، حتى بالنسبة للأحزاب السياسية دون تحالفات انتخابية أوسع. بموجب النظام الجديد، قد تتحرك تركيا لخفض الحد الوطني "العتبة الانتخابية"، أو إنشاء نوع من نظام المقاطعات الأحادي العضو. بعد كل شيء، أوضح الناخبون أن التمثيل المحلي أكثر أهمية بالنسبة لهم الآن.

علاوة على ذلك، تمكن حزب الشعوب الديمقراطية من إزالة العتبة الانتخابية للمرة الثالثة منذ الانتخابات العامة في 7 يونيو 2015. ومع ذلك ، يبدو أن حرب تركيا على الإرهاب واستبدال المحافظين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني بأمناء مستقلين قد أثرت على شعبية الحزب. وقد أدى تخفيف الضغط الذي مارسه حزب العمال الكردستاني على الناخبين إلى انخفاض الدعم الشعبي لـ HDP بنسبة 5 إلى 12 بالمائة في المقاطعات الرئيسية عبر الجنوب الشرقي. وهكذا، تمكن الحزب الديمقراطي التقدمي من اجتياز العتبة الوطنية بفضل الناخبين من حزب الشعب الجمهوري في المناطق الحضرية. من الآن فصاعدًا، لا يمكن للحركة عكس الاتجاه السلبي في جنوب شرق تركيا من خلال تشكيل تحالفات مؤقتة مع حزب الشعب الجمهوري. وبدلا من ذلك، ستضطر إلى النأي بنفسها عن منظمة "بي كا كا" الإرهابية.

أخيراً، درس للحكومات الغربية: ليس أمامك خيار سوى إعادة تقييم أولوياتك والعمل مع تركيا تحت قيادة أردوغان. لقد جاء الضغط المتصاعد على تركيا بنتائج عكسية. والآن، حان الوقت للتركيز على التعاون.