ما أسباب تدخل تركيا في شمال سوريا؟

نشر في 03.03.2020 11:58
آخر تحديث في 03.03.2020 12:02

ما فتأت تركيا تؤكد أن رغبتها الوحيدة في إدلب هي الحفاظ على الاستقرار المحلي والإقليمي، وهو ما يجب أن تعلمه جيداً جميع الجهات الفاعلة المعنية.

تلقت تركيا مساء الخميس الماضي أخباراً مؤسفة من إدلب باستشهاد 33 جندياً تركياً في قصف لقوات النظام المدعومة من روسيا. ولم يمنع الروس نظام الأسد من تنفيذ هجومه رغم تلقيهم معلومات من أنقرة تفيد بمكان وجود القوات التركية، لذلك فهم مسؤولون عن ما حدث في إدلب.

وفي أعقاب هجوم يوم الخميس، حيدت تركيا باستخدام الطائرات المسيرة، 329 عنصراً للنظام ودمرت 200 هدف له. وأعلن فخر الدين ألطون رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية أن تركيا تعتبر جميع عناصر النظام "أهدافاً مشروعة". كما حث المجتمع الدولي على حماية المدنيين في إدلب وفرض منطقة حظر جوي. وقال "لا يوجد فرق بين القادة الذين يتجاهلون ما يحدث في إدلب الآن، وبين أسلافهم الذين تفرجوا على عمليات الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة من بعيد".

ولم يتوقف الأتراك عند هذا الحد. بل أعطوا اللاجئين السوريين الضوء الأخضر للذهاب إلى أوروبا أيضاً، الأمر الذي أوضح للحكومات الغربية بجلاء أن تركيا لا يمكنها تحمل عبء أزمة لاجئين أخرى، بدأت تتكشف في إدلب. في الوقت نفسه، دعت أنقرة إلى عقد اجتماع طارئ للناتو لإجراء مشاورات. وتحدث الرئيس رجب طيب أردوغان هاتفياً مع زعماء العالم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وأنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون، وآخرين.

تشهد جميع الخطوات التي اتخذتها تركيا على التزامها بحل دبلوماسي لأزمة إدلب. ومع ذلك، لا تزال هناك عملية عسكرية شاملة تلوح بالأفق. وإذا كان هناك ما يقال، فإن أردوغان مصمم أكثر من أي وقت مضى على القيام بعمل عسكري إذا لزم الأمر. وسيتخذ قراره النهائي بعد انعقاد القمة التركية الروسية المقبلة.

إن استجابة بوتين أمر حاسم الآن، إذ لم يتبق له سوى القليل من الوقت لإصلاح ثقة أردوغان المتآكلة في علاقة تركيا بروسيا. ويجب على الرئيس الروسي إما إجبار الأسد على الامتثال لاتفاق سوتشي، أو إفساح الطريق أمام تركيا لمعالجة مشكلة النظام بنفسها.

الخسائر العسكرية التركية تمثل تصعيدا جديدا في أزمة إدلب. وبالرغم من أن موسكو تنفي أي تورط لها في هجوم يوم الخميس، إلا أن العلاقة التركية الروسية تعرضت لضربة خطيرة للغاية. وتمثل الدبلوماسية بين الزعيمين آخر مخرج قبل الانقطاع الاستراتيجي في العلاقات الثنائية. وإذا لم يتمكن البلدان من إيجاد حل جديد في إطار سوتشي، فإن تقارب البلدين في السنوات الأخيرة قد يتحول إلى عزلة وانقطاع.

وقد تواجه تركيا وروسيا، اللتان تمكنتا من إبقاء تضارب المصالح في سوريا وليبيا تحت السيطرة حتى الآن، مشاكل جديدة في إيران وليبيا وأماكن أخرى إذا ما تقاطع مسارهما. ومن الواضح أن العديد من الأطراف الأخرى حريصة على الاستفادة من الخلاف التركي الروسي. ولا تتوقف حدود مراقبة الأتراك عند سلوك موسكو فقط. بل هم يراقبون بدقة ردود الفعل القادمة من واشنطن وبروكسل أيضاً. ويبقى السؤال الكبير حول ما هو الدعم الملموس الذي سيقدمه الغرب إلى جانب التصريحات الأولية. لذلك، لم تكن مكالمة أردوغان الهاتفية مع ترامب أقل أهمية من محادثته مع بوتين.

وإذا قرر الأمريكيون تجنب مواجهة عسكرية مع روسيا على المسرح السوري، فإنهم يفوتون فرصة تاريخية لإصلاح علاقات واشنطن المتوترة مع تركيا. كما سيزيدون بذلك من شعور الأتراك بأن الناتو والولايات المتحدة قد تخلوا عنهم وتركوهم بمفردهم وسيجعلون هذا الاتجاه أكثر شعبية بين الأتراك. كما أن سؤال تركيا فيما إذا علمت بالفعل من هم أصدقاؤها الحقيقيون، ليس له معنى ولا يفيد بشيء الآن، لأن هذا الوقت هو وقت الأفعال وليس وقت الأقوال.

كذلك لا يعتبر منطقياً ربط تقديم الدعم الغربي في إدلب بنظام الدفاع الجوي إس-400. ولن تكون المساعدة العسكرية المحدودة للمعارضة السورية أو التصريحات والزيارات الرمزية كافية أيضاً. في حين تستحق دعوة السناتور ليندسي غراهام إنشاء منطقة حظر جوي كل التقدير.

وفي حال ابتعدت واشنطن عن التدخل العسكري في إدلب اليوم، فإنها تعطي بذلك إشارة واضحة لموسكو ألا تتوقع أي رأي أو تدخل منها على طاولة المفاوضات في سوريا مستقبلاً. وسيكون التقاعس الأمريكي مرة أخرى، بمثابة موافقة ضمنية على الابتزاز الروسي لأوروبا باستخدام اللاجئين السوريين. وأخيراً، فإن إحجام الولايات المتحدة عن التصرف، سيكون بلاغاً فعالاً لصناع السياسة الأتراك بأن لا خيار لديهم سوى العمل مع موسكو.

تركيا لم تعد قادرة على تحمل عبء اللاجئين. وهي اليوم ليست في وضع يمكنها من إيقاف مسيرتهم إلى أوروبا. كما أن قرار تركيا بعدم اعتراض المهاجرين غير الشرعيين ليس ابتزازاً. فالأتراك يرغبون في الحفاظ على استقرار بلادهم الداخلي. وهم إنما عمدوا إلى هذا الخيار كملاذ أخير، أجبرهم عليه الغرب ضمنياً دون التصريح به.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.