على المملكة المتحدة أن تعتبر من العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي

نشر في 13.02.2019 16:22

تتضمن الشراكة المتقلبة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، العديد من الدروس والخبرات جدير بالمملكة المتحدة تعلمها خلال عملية انسحابها من الاتحاد الأوروبي.

من الواضح أن عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تسير على ما يرام أو لنقل لا تسير بسلاسة، على الإطلاق. هناك نوعان من الفهم الواضح للوضع: إن المملكة المتحدة، بقيادة رئيسة الوزراء المتعنتة "تيريزا ماي"، تراهن على فرصة الحصول على صفقة أفضل من دول الاتحاد الأوروبي في اللحظة الأخيرة. لعله من المعتاد رؤية حكومات الاتحاد الأوروبي وهي تنجز ترتيبات اللحظة الأخيرة بشكل فعال عندما تسوء الأمور. وخير مثال على ذلك أن نتذكر بولندا عندما أصرت على الحصول على العدد نفسه من الأصوات مثل إسبانيا قبل عضويتها في قمة نيس. وقتها فازت بولندا بقضيتها بعد أن أخرت القمة التاريخية لمدة ثلاثة أيام إضافية عام 2000.

إذا قرأنا الأمر من منظور التطورات التاريخية، فإن المملكة المتحدة تؤمن أنه إلى أن يتم وضع التواقيع الأخيرة في أسفل الصفحة، لا يزال هناك مجال للمناورة والحصول على صفقة أفضل.

من جانب الاتحاد الأوروبي، هذه "الإستراتيجية التفاوضية" التي تقوم بها المملكة المتحدة معروفة ومخيفة في معظمها. فالدبلوماسية البريطانية ومنذ عام 1973، وهو عام عضويتها، كانت تمثل تحديا متواصلا للاتحاد الأوروبي تقريبا، وقد أوجدت بذلك مكانة فريدة لنفسها داخل الاتحاد.

ابتداءً من معايير جوازات السفر المشتركة للاتحاد الأوروبي، مروراً بالميثاق الاجتماعي، واليورو، وأخيرا التخفيض الممنوح للمملكة المتحدة لمشاركتها في ميزانية الاتحاد الأوروبي، لطالما كانت للمملكة المتحدة مطالبها الخاصة. لذلك، فإن دول الاتحاد الأوروبي مستعدة بشكل كامل، لتكوين جبهة موحدة ضد "ترتيبات اللحظة الأخيرة" التي طلبتها المملكة المتحدة.

وإلى الآن فإن جميع محاولات المملكة المتحدة لتقزيم وتفكيك هذه الجبهة المتحالفة ضدها قد ذهبت سدىً. تعتبر المملكة المتحدة عملياً، البلد الوحيد الذي قام بتنظيم استفتاء حول العضوية بعد انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي.

في عام 1975، نجحت حملة "حافظوا على بريطانيا في أوروبا" وظلت المملكة المتحدة عضو في الاتحاد الأوروبي. يجدر بنا أن نتذكر أنها كانت نهاية "الأعوام المجيدة الثلاثين". وكانت بداية تلك النهاية، مع أزمة النفط عام 1973، التي تبعها ضغوط بسبب التضخم وزيادة البطالة بشكل كبير.

لقد نجحت إستراتيجية "قدم في الداخل وقدم في الخارج" التي اتبعتها المملكة المتحدة في تحقيق النجاح على مدار عشرات السنين بسبب الديناميكيات الداخلية والخارجية. ديناميكيات داخلية، لأنه وابتداءً من ألمانيا وهولندا، لا أحد أراد المملكة المتحدة خارج الاتحاد الأوروبي، ولذلك، تم قبول العديد من الاستثناءات للحفاظ على بريطانيا في أوروبا.

تعود الديناميكيات الخارجية بشكل رئيسي إلى إعادة توحيد ألمانيا بعد انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

ففي ذلك الوقت، قبل المستشار الألماني "هيلموت كول" تحدٍ صعب للغاية لجعل ست مقاطعات بالاضافة إلى برلين الشرقية، على نفس مستوى التنمية مثل بقية ألمانيا، في عقدين من الزمن. ولم تقم أية دولة داخل الاتحاد الأوروبي بمعارضة انضمام ألمانيا، الأمر الذي أدى إلى نمو منخفض جدا لمدة تقرب من 20 عاما داخل الاتحاد الأوروبي. في غضون ذلك، استغلت المملكة المتحدة علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة لضمان معدل نمو أفضل ومعدل بطالة أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي. وقد عزز هذا التطور في أذهان النخبة المتشككة بأن الاتحاد الأوروبي سيكون أفضل حالاً دون المملكة المتحدة.

الآن وقد حان الوقت لمواجهة الواقع الفظ، فإن النخب السياسية في المملكة المتحدة في حالة فزع تام، باستثناء "تيريزا ماي" التي تصر على أنها وحدها تستطيع ضمان التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق، للخروج من الاتحاد الأوروبي. هي لا توافق، بالرغم من أنها قد تلقت صفعة تاريخية على وجهها على ما نص عليه الاتفاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وما زالت تتمسك بموقفها المبدئي، فنهجت بذلك منهج "ونستون تشرشل" أو "مارجريت تاتشر" اللذين نجحا في نهاية المطاف بفضل عنادهما. لكن للأسف، "تيريزا ماي" ليست "ونستون تشرشل" ولا "مارجريت تاتشر". والمملكة المتحدة ليست في وضع يسمح لها بإملاء شروطها الخاصة، في حين أن الاتحاد الأوروبي هو من يتحكم بزمام الأمور.

ما المقارنات المحتملة؟

لقد تم في العديد من المناسبات، إجراء مقارنة بين المملكة المتحدة وتركيا، بناءً على اعتقاد أنه يمكن إنشاء نظام من الدرجة الثانية غير مسمى مع الاتحاد الأوروبي، بين الجانبين الغربي الأقصى والشرقي الأقصى. لا أعرف كيف يمكن تسمية هذا التطور الدولي المؤسف بأنه "نظام تكامل". بعد أن شاركت في تطوير العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا خلال الثلاثين سنة الماضية، وقد اكتسبت قدراً من الاحترافية في تاريخ هذه العلاقات، يمكنني القول بصراحة أن مثل هذا الإطار من العلاقات يجب ألا يعتبر مثالاً لأي شخص في العالم.

يمكن اعتباره مثالاً جيدًا على "ما لا يجب فعله"، وهذا كل شيء يمكن أن يقال بشأنه.

لقد شهدت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي فترات طويلة من التجميد، تخللتها فترات قصيرة من التعاون العميق. ورغم كل الجهود التي بذلتها، لم تحصل تركيا قط على خمس الدعم من الاتحاد الأوروبي مثلما كانت تحظى به بعض دول وسط وشرق أوروبا.

من ناحية أخرى، لم يغير الاتحاد الجمركي بين الشريكين بالفعل، البنية الديمقراطية والإدارية التركية، ناهيك عن التطور الإيجابي للسلطة القضائية. لذلك، بعد 55 عاما من التعاون المتزايد، فإن النتيجة الاقتصادية تبدو مقبولة. أما على مستوى المشهد السياسي، فالنتائج كارثية تماماً. ومع غياب العلاقات السياسية والاجتماعية المتداخلة والجيدة، يتخلف التكامل الاقتصادي ويتباطأ. هذا هو الدرس الرئيسي الذي يمكن استخلاصه من العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في أكثر من نصف قرن. يجب أن يكون هذا بمثابة تحذير للمملكة المتحدة.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.