ما الذي تريده ألمانيا؟

إسطنبول

المشكلة للأسف أن ألمانيا أصبحت مركزاً للوبي الأوروبي المعادي لتركيا والذي يتبع السياسات والخطوات الألمانية تجاه تركيا.

في الأيام القليلة الأخيرة، اتخذت ألمانيا خطوات مثيرة للقلق ومعادية للديمقراطية، يمكن القول إنها مأساوية. حيث منعت وزراء أتراكا من إلقاء كلماتهم، في محاولة لحظر الجهود السياسية الداعمة لحملة التصويت بنعم في الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي سيجرى في الرابع عشر من أبريل المقبل. العديد من المسؤولين الألمان عبروا في خطابات لهم عن رفضهم لدخول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الأراضي الألمانية. وفي أغسطس من العام الماضي، مُنع أردوغان من إلقاء خطاب عبر الأقمار الصناعية في مدينة كولون الألمانية، خلال تظاهرة مناهضة للمحاولة الانقلابية.

النمسا وهولندا أيضاً اتخذتا خطوات مشابهة، حيث طالب رئيس الوزراء النمساوي الاتحاد الأوروبي بإصدار حظر على السياسيين الأتراك إلى أوروبا، قبل الاستفتاء. أي منطق أو قيمة يمكن لها دعم هذا الطرح الداعي لحظر المسؤولين الأتراك (أو بالأحرى الأتراك الداعمين للتغيير الدستوري) من إلقاء كلماتهم؟ هل هذه هي حرية التعبير عن الرأي؟

من الواضح أن ألمانيا وهولندا والنمسا تخلت عن الحيادية في الشأن الداخلي التركي، وبدأت العمل على تسيير الأمور في تركيا بحسب رغباتها. ومع ذلك، فإن الشعب التركي وممثليه هم من سيحددون النظام الإداري الذي يريدون أن يطبق في بلادهم. فهذا من متطلبات الديمقراطية. أليس من الغريب أن تصل تركيا إلى مرحلة تضطر فيها إلى تذكير أوروبا بالقيم الديمقراطية التي طالما تغنت بها القارة الأوروبية؟

وماذا خلف هذه المساعي الألمانية؟ وما الذي تحاول ألمانيا فعله؟ بينما تحاول حظر الحملة الداعمة للتغييرات الدستورية، تراها على الجانب الآخر تجهز دعايات إعلانية باللغة التركية لحملة التصويت ضد التعديلات، وتذيعها عبر القنوات المحلية. فما المكسب السياسي الذي تسعى إليه الحكومة الألمانية من كل هذا؟ لا ننسى أن الحكومة الألمانية تواصل دعمها للتنظيمات الإرهابية من بي كا كا وتنظيم غولن وتنظيم جبهة حزب التحرير الشعبية الثورية، التي تستهدف تركيا. وتقوم ألمانيا بدعمهم بكل ما يلزم لمواصلة حملتهم المناهضة للتعديلات الدستورية.

لماذا تخشى ألمانيا من تبني الشعب التركي للتغييرات الدستورية؟ غالبية الرأي العام التركي تشير إلى أن السبب نابع من خشية ألمانيا من تركيا قوية، ورغبتها في تحجيمها. ولذلك فإن المشاعر الرافضة لألمانيا تنمو بشكل مضطرد بين شرائح الشعب التركي.

في سبتمبر القادم، ستجرى في ألمانيا انتخابات المجلس الفيدرالي. ويبدو أن التوجهات السلبية التي تحملها الأحزاب الألمانية تجاه تركيا شكل جديد من أشكال الشعبوية. لكن من غير المرجح أن يؤثر هذا العداء في إظهار وترجيح أحد الأحزاب الألمانية على الآخر، لأن الأحزاب كلها اجتمعت على نفس التوجهات السلبية تجاه تركيا. المشكلة للأسف أن ألمانيا أصبحت مركزاً للوبي الأوروبي المعادي لتركيا الذي يتبع السياسات والخطوات الألمانية تجاه تركيا. ومنذ سنوات طويلة، كان هناك داعمون لبي كا كا وتنظيم جبهة التحرير الشعبية الثورية المرتبط به، داخل هذا اللوبي. واليوم قد انضم داعمو تنظيم غولن أيضاً إليه. فمن ناحية، تستسلم ألمانيا إلى ضغوط هذا اللوبي، ومن ناحية أخرى، تتبع إستراتيجية سيئة.

ومع ذلك، على ألمانيا أن تحسن علاقاتها مع تركيا. ففي الأيام القادمة، ستضطر ألمانيا إلى تحمل عبء أكبر من أي وقت مضى؛ فمع احتمالات تولي مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبين، الرئاسة في فرنسا، ستجد ألمانيا نفسها تحت كم هائل من الضغوط. كما أن الإدارة الأمريكية تسحب دعمها، أو على الأقل تقدم دعماً مشروطاً لألمانيا. وفي هذه الأجواء ستكون ألمانيا بحاجة إلى دعم تركيا لاستكمال عملية الدمج الآمنة للاجئين السوريين في المجتمع التركي. وستكون بحاجة إلى دعم من الرئيس رجب طيب أردوغان.

لا يمكن لألمانيا، في هذه الفترة، أن تتجاوز صعوبات المرحلة بإظهار العداء للإدارة التركية الحالية وتركيا ككل، ثم تحاول خطب ود الجالية التركية في ألمانيا بتصريحات وإعلانات ساذجة.