أنقذوا الشعب السوري، لا الطاغية المجرم

إن كلا النظام السوري، وضربات داعش في المنطقة،يضعفان الآمال لمستقبل ديمقراطي في سوريا. ففي الوقت الذي يدعي فيه الطرفان أنهما يقاتلان بعضهما البعض، فإنهما في الحقيقة يستفيدان من بربرية بعضهما.

أثار الحشد العسكري الروسي الحالي في سوريا، ودعم روسيا لنظام الأسد، باسم تدمير تنظيم الدولة (داعش)، موجة جديدة من المواقف السياسية والمراسلات الدبلوماسية. بصرف النظر عن العلاقة بين حرب الأسد، وارهاب تنظيم الدولة، فإن محاولات حماية نظام الأسد تتجه الى مزيد من الكثافة، بدلا من ايجاد حل للأزمة السورية.

كل برميل متفجر يلقيه الأسد على المدنيين السوريين يساهم في رفد تنظيم داعش بالمزيد من المحاربين. كل سلاح كيماوي استخدم كان بمثابة ذخيرة جديدة توضع في يد المجموعات الارهابية المسلحة في سوريا والمنطقة. كما أن كل اختراق للقانون الدولي وجرائم الحرب التي ارتكبت من قبل نظام الأسد المجرم خلال السنوات الثلاثة الماضية قد قوّت داعش والمجموعات الأرهابية الأخرى على شاكلتها، ولم تضعفها.

لا يستطيع أحد تجاهل السؤال المهم، عن السبب الذي يجعل نظام الأسد، صاحب الاستخبارات والقوة العسكرية، بفضل دعم روسيا وإيران وحزب الله، يقتل أعدادا مهولة من السوريين ويدمر مدنهم ويجبر الملايين على الهجرة من بيوتهم، دون أن يساهم في عمل عسكري جدّي ضد داعش؟ لماذا لا يستهدف الجيش السوري منطقة الرقة، وهي مقر داعش في سوريا، بدلا من قصف المدنيين في دمشق وحلب؟ السؤال ذاته ينطبق على داعش. لماذا لم يقم داعش بأي هجمة كبيرة ضد نظام الأسد، في الوقت الذي يقتل فيه الكثيرين؟

لقد غذا نظام الأسد وداعش بعضهما البعض واستفادا من بربريتهما. فالحقيقة تقول، أنهما يعملان معا لإضعاف وتدمير المعارضة السورية المعتدلة واضعاف الأمل في التوصل الى سوريا ديمقراطية وتعددية.

وزير الخارجية الفرنسي، لورنت فابيوس، أكد في فبراير الماضي، على أن "لديه دلائل على أن داعش قام ببيع البترول الى نظام الأسد، بعد حصوله عليه". وأضاف، "هم يقاتلون بعضهم بشكل رسمي، لكن الواقع يقول أنهم غالبا ما يتعاونون مع بعضهم البعض". ونشر الاتحاد الأوروبي، في السادس من مارس/آذار 2015، قائمة عقوبات بحق بعض رجال الأعمال المتورطين بكونهم وسطاء في صفقات شراء البترول من داعش وبيعه الى نظام الأسد.

لقد أصبح تنظيم داعش، أداة مناسبة للحرب في سوريا. بحيث يستخدمها الجميع لتبرير سياساته في سوريا والعراق. روسيا تعتمد عليه في تبرير دعمها لنظام الأسد. وإيران وحزب الله يعتمدان عليه لتبرير ارسالهما جنودا للحرب مع الأسد في سوريا. ونظام الأسد يقتل الجميع دون تفرقة باسم الحرب على الارهاب. ونظرا الى عظم الفائدة المرتبتة عن استخدام التنظيم، يصبح من الصعب التصديق بأن نظام الأسد يتمنى زواله.

فقد كانت هذه هي خطة الأسد منذ البداية، ايجاد طريقة لزرع المتشددين الارهابيين في الحرب السورية، ومن ثم اخبار العالم أنه يحارب من أجل دولة سورية علمانية في وجه جنون الراديكاليين. وللأسف، يبدو أن سلعته قد لقت بعض الرواج في الغرب.

هؤلاء الذين يؤمنون بأن نظام الأسد يجب ان يبقى لتقليل خطر داعش، يضعون العربة قبل الحصان. فنظام الأسد هو الذي خلق الظروف التي أدت الى انتعاش داعش وتوسعها. بعكس ما قاله السيد بوتين، سيكون من الخطأ الجسيم التضحية بالشعب السوري من أجل طاغية، كما أطلق عليه الرئيس أوباما.

وكما صدر في التقارير أمس، قصفت الطائرات الحربية الروسية أهدافا للمعارضة السورية وقتلت مدنيين في سوريا. وبعكس ادعاءات روسيا والنظام السوري، لم يكن هناك أهداف تابعة لداعش في المناطق الستة التي قصفتها روسيا. كما أن من المحتمل أن تخلق هذه التطورات الخطيرة توترات جديدة في الحرب المأساوية أصلا. وهو ما يرينا استغلال داعش مرة أخرى في هذه الحرب، حيث يتمثل ذلك في استخدام داعش كغطاء للإضرار بالمعارضة السورية، ومساعدة الطاغية السوري على البقاء في سدة الحكم.

الدوافع الايرانية والروسية لدعم الأسد واضحة للعيان. فإيران ترى في الأسد حليفا مهما وتريد حمايته بأي ثمن. وهو ما يشكل جزءا من سياسة ايران في المنطقة والتي تتمثل في دعم الحكومات والمجموعات الموالية لطهران في الحروب التي تخوضها عنها بالنيابة. اما التركيز على داعش، فيسمح لايران بتشتيت الانتباه حول دعمها لأحد أكثر الأنظمة قمعا في الشرق الأوسط.

بالنسبة لموسكو، القاعدة البحرية في اللاذقية مهمة، ولكن لجزء من الحكاية. فروسيا اليوم تكثف الوجود العسكري في سوريا، بفضل تراخي التحالف الغربي. الهدف الأساسي للتحالف الروسي الايراني فليس هزيمة داعش، بل تأمين نتيجة سياسية ترضي أهدافهما السياسية.

ليس هناك سبب واحد يجعل تدمير داعش غير ممكن في نفس الوقت مع التخلص من الأسد.
علاوة على ذلك، فدعم روسيا العلني لنظام الأسد يستخدم لتشتيت الأنظار عن المناورات التي تقوم بها في أوكرانيا والقرم. فليس من الصدفة أن يحضر السيد بوتين الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد غياب دام عشر سنوات، لتصبح خطوته في سوريا الآن حديث العالم بدلا من الحديث عن الحاق القرم، والحرب الدائرة في أوكرانيا.

لا شك في أن روسيا وايران يجب أن تلعبا دورا ضمن الجهود الاقليمية في حل الأزمة السورية. ولكن ذلك لا يعني القبول بدعمهما للنظام الاجرامي.

ان تدفق اللاجئين، والصورة المأساوية للطفل أيلان الكردي، قد جلبا أنظار الغرب الى الأزمة السورية، ولو مرحليا. انهاء الحرب في سوريا مهم لحل أزمة اللاجئين، ولكن لا حل من دون علاج جذور المشكلة. وكما أشار الرئيس الفرنسي، أولاند، خلال كلمته في الأمم المتحدة، "الأسد جذر المشكلة ولا يمكن أن يكون جزءا من الحل".

فالحل يكمن في تقوية المعارضة السورية المعتدلة، لكي تتمكن من إدارة العملية السياسية، وحماية الشعب السوري، وانشاء سوريا الجديدة المبنية على سيادة القانون، والديمقراطية والتعددية والشفافية. أما انشاء المنطقة الآمنة فسيكون الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، لإعطاء الشعب السوري مساحة لالتقاط الأنفاس بعد مجازر نظام الأسد من جهة وداعش من جهة أخرى.