السياسات التوافقية بعد الانتخابات

ما تحتاجه تركيا للتعامل مع التحديات الراهنة والمشاكل الاقليمية، هو حكومة قوية ومستقرة، تعترف بالفروقات وتحترمها.

بعد أن أجريت أربع انتخابات في الثمانية عشر شهرا الأخيرة، تحتاج تركيا أن تترك وراء ظهرها السياسات الحزبية وتركز على القضايا الاستراتيجية الأكبر للدولة. هذا العنصر مهم من أجل تحقيق السلام الداخلي في تركيا وللتعامل مع القضايا الملحة مثل الارهاب، واللاجئين، وتحسين الاقتصاد. السياسات التوافقية قادرة بشكل كبير على تخطي الأزمات غير المرغوبة وتقليل حالة الاستقطاب.

ان الاختلاف الواضح بين نتائج انتخابات السابع من حزيران والأول من نوفمبر، تقدم العديد من الدروس حول الاستقرار السياسي والأمن المجتمعي. والدرس الأهم من بينها يشير الى أن الاختلافات في القضايا السياسية والاقتصادية، يجب ألا يضعف السياسات التوافقية، بل عليه ان يعزز أهميتها ودلالاتها. فما تحتاجه تركيا للتعامل مع التحديات الراهنة والمشاكل الاقليمية، هو حكومة قوية ومستقرة، تعترف بالفروقات وتحترمها. ان مسؤولية تحقيق ذلك، لا تقع على عاتق حزب العدالة والتنمية وحده، بل على عاتق جميع الأحزاب السياسية. فالسياسات الأهلية لا يمكن وضعها من دون حس التكاتف.

ان كلمة التوافق تدل على الاتفاق ووحدة الشعور، وهما عنصران أساسيان للتوافق، ومثال ذلك، توحد المشاعر على مستوى الأفراد والمجتمع، حول هدف ما. ان العمل المشترك لخدمة أجندات مشتركة لا يلغي حقيقة وجود اختلافات. فإدارة الاختلافات بعقلانية وأخلاقية، كفيل بإثراء السياسات والمجتمع. وعلاوة على ذلك، فإن الوحدة لا تعني التماثل. فالبحث عن أرضية مشتركة، وتعزيز المشاعر المشتركة، لا يقود الى مجموعة من النسخ المتطابقة أو مجتمع مكرر. فإدارة الاختلافات من خلال نظام مدني أخلاقي، هو المفتاح لضمان السياسات التوافقية لجميع المواطنين. إن المقدرات الاجتماعية والسياسية التركية، التي لا يمكن حصرها في قضية واحدة، تنادي من أجل وحدة في الرؤية، ضمن إطار من التنوع.

ان ترجمة هذا المبدأ الى تطبيقات عملية، على الرغم من صعوبته، هو الهدف الأولي والأساسي للعمل السياسي. الطيف السياسي في تركيا متنوع ويضم العديد من الألوان والهويات والمجموعات. فالخارطة العرقية الاجتماعية في تركيا تتكون من الأتراك والأكراد والعرب والشركس والألبان وغيرهم. وتتكون الأقليات الدينية من المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك، والسيريانيين واليهود. كما أن لدينا المجموعات فكرية تتنوع من الديني والوطني والليبرالي واليساري والعلماني. كل وجهة نظر تساهم في الصالح العام للناس والبلاد، كما أنها تتطلب درجة من الحس بالمسؤولية. كما ان هناك العديد من الاختلافات بين هذه المجموعات التي تشكل حالة متجانسة. لذلك لا بد أن تحظى هذه الاختلافات بالاحتفاء والرعاية، كمصدر للقوة، لا كسبب للانقسام والاستقطاب.

ان ما يجمع بين وجهات النظر المختلفة هذه، هو التاريخ المشترك والجذور الثقافية الواحدة من جهة، والديمقراطية والحرية والاستقرار والازدهار، من جانب آخر. النظام السياسي العقلاني يشترط احترام وجهات النظر المختلفة ويسمح بتقديمها ضمن إطار سلطة القانون والمساواة بين الجميع. قوة واستقرار وسلام تركيا يخدم مصلحة الجميع. كما أنهة يصب في مصلحة اللاعبين الاقليميين والعالميين، المحتاجين الى تركيا كشريك قوي ومستقر، في منطقة تعمها الفوضى.

في خطاب فوزه، قال رئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أوغلو، أن الحكومة الجديدة، التي سيتم تشكيلها في غضون اسبوعين، ستعمل على تأمين التمثيل العادل لجميع المواطنين، ومراعاة كافة الاراء البناءة. وكرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا النداء، عندما قال في الرابع من نوفمبر انه قد آن الأوان من أجل التكاتف معا بغض النظر عن اختلافاتنا. كما أنه طلب من قادة الأحزاب البدء بالعمل على دستور جديد، وهو مهمة وطنية وسياسية أساسية لتعزيز التقدم في الحقوق الاساسية، وتشكيل دفعة الى الأمام للمجتمع والاقتصاد التركي. أحزاب المعارضة التي عانت خسارة كبيرة في انتخابات الأول من نوفمبر، اعترفت بإرادة الشعب التي تم التعبير عنها في صناديق الاقتراع. وعلى الأحزاب جميعها ان تتعلم الدروس التي حصلت عليها من انتخابات الأول من نوفمبر والسابع من حزيران، بدلا من تبادل اللوم والعتب.

أولئك الذين يعتمدون على سيناريوهات النخب ويخطئون باستمرار في قراءة المتغيرات السياسية والاجتماعية في تركيا، عليهم أن يصغوا بانتباه شديد الى صوت المواطن العادي. ولعل نتائج هذه الانتخابات تعطيهم فرصة لإعادة النظر في استراتيجيتهم الفاشلة المتمثلة في ضرب أردوغان من خلال سياساتهم وصحافتهم.

وكما قلت في الذكرى الـ 91 لانشاء الجمهورية التركية، فإن التعريف القديم للأمة والنظام السياسي القائمين على التجانس والثبات، قد تم استبداله بحركة ديناميكية ومتعددة الثقافات والأديان لأمة تشعر بالطمأنينة تجاه تجربتها التاريخية من ناحية، ومنفتحة على العالم، من ناحية أخرى. ان تحقيق التوازن الصحيح بين الجذور التاريخية والانفتاح على العالم، هو ما سيعزز قوة واستمرارية الجمهورية التركية.

السياسات التوافقية قادرة على أن تقطع شوطا طويلا في تعزيز أخلاقيات التعايش المشترك، لجميع المواطنين في تركيا، وهو الدور المدني المشترك الذي سيقلل من التوتر ويتغلب على الاستقطاب.