لا أمن لأحد.. حتى يأمن الجميع

إن من حق تركيا التي تدعم الحرب على تنظيم داعش، الخطر الذي يتهددنا جميعاً، أن تتوقع من الدول الصديقة والحليفة أن تدعمها هي أيضاُ في حربها على تنظيمي بي كا كا وغولن الارهابيين.

في الوقت الذي تخرج فيه تركيا من محاولة الانقلاب الدموية منتصف تموز الماضي، تجد نفسها في مواجهة ثلاثة مخاطر محدقة، تتمثل في تنظيم بي كا كا الإرهابي وداعش وتنظيم غولن الإرهابي. وإن من مصلحة الدول الصديقة والحليفة أن تقدم الدعم لتركيا، لأن أمن تركيا هو مفتاح لأمنهم. كما أن أحد أهم الدروس التي علمتنا إياها الحداثة المفرطة والعولمة هو أنه لا أحد في مأمن ما لم يتمتع الجميع بالأمن.


تركيا لا زالت تحارب بي كا كا الإرهابي منذ عشرات السنين. كما أن السياسات الخاطئة في الماضي ساهمت في تشكيل الأرضية للتوجه الإرهابي للتنظيم، والظهور المتأخر لمفهوم القومية الكردية. إلا أن الرئيس رجب طيب أردوغان اتخذ في فترة رئاسته للوزراء العديد من الخطوات والقرارات السياسية الجريئة بهدف وقف الصراع المسلح. حيث رفع أردوغان من حجم الاستثمارات العامة في المناطق التي تتشكل أغلبية سكانها من الأكراد، واعترف بالهويّة الكردية، ورفَع الحظر عن اللغة الكردية، والأهم من ذلك كل أنه منَح الأكراد حق المساواة والشعور بالكرامة كمواطنين أتراك. إن الهدف الأساسي من المسيرة التي تُعرف بمرحلة السلام هو تجريد بي كا كا من السلاح. إلا أنه وعلى الرغم من نداءات زعيم التنظيم المسجون (عبد الله أوجلان) بترك السلاح، سرع التنظيم من وتيرة عملياته الارهابية ووظف المزيد من الإرهابيين، وشن عمليات وهجمات إرهابية على العديد من المدن والمناطق المأهولة.


وعلى الرغم من أن حزب الشعوب الديمقراطي قد دخل البرلمان تحت شعار دعم عملية السلام الداخلي، لكنه سرعان ما تحول إلى الناطق الرسمي باسم تنظيم بي كا كا، ولم يجرؤ مرة واحدة على إدانة أي من عملياته الإرهابية الشنيعة. حزب الشعوب الديمقراطي لم يقم بأي مبادرة في سبيل نزع سلاح تنظيم بي كا كا الإرهابي، بل اختار طريق التخفيف من حدة الانتقاد الموجه للتنظيم الإرهابي من جهة، والزيادة في ذم أردوغان، من جهة أخرى.


لقد أعلن رئيس الجمهورية مراراً أن مرحلة السلام معلقة والطريق الوحيد لاستئنافها هو تخلي بي كا كا عن السلاح، لكن يبدو أن الاهتمام الرئيسي للتنظيم لا يكمن في حل المسألة الكردية، وإنما في شرعنة وجوده كتنظيم إرهابي. ليس ثمة ديمقراطية تقبل بوجود تنظيم إرهابي في الوقت الذذي تسعى فيه إلى الوصول إلى حل سلمي للأزمة. إن ما يمثله تنظيم بي كا كا وممثلوه السياسيون لا يشبه بأي حال من الأحوال حقيقة المسألة الكردية، بل يمثل فقط أجنداتهم الخاصة. لدينا مشكلة بي كا كا الذي يوغل في دماء الأتراك والأكراد على حد سواء. ففي الأسبوع الماضي فقط قتل التنظيم العديد من رجال الأمن والمدنيين في هجمات بسيارات مفخخة وتفجيرات على جوانب الطريق في كل من دياربكر وفان وإلازيغ وبيتليس.


على أوروبا وأمريكا أن يروا بي كا كا على حقيقتها، وأن ينددوا بهجمات التنظيم دون إبداء حجج، وأن يوقفوا فعالياتها المالية وأنشطتها الدعائية في مدن أوروبا، بدلاً من مطالبة تركيا بالتعامل معها وكأنها منظمة مجتمع مدني خيرية الأنشطة. إن دعم ب ي د (الامتداد السوري لتنظيم بي كا كا الإرهابي في سوريا)، وجناحه العسكري "ي ب ك" باسم مكافحة داعش خطأ كبير واستراتيجية خاطئة. فتنظيم بي كا كا استخدم الحرب الداخلية في سوريا كستار دخاني من أجل شنّ عملياته الإرهابية.


وكلما امتدت الحرب في سوريا، كلما استمر نظام بشار الأسد في هجماته ضد المدنيين بدمشق وحلب وبقية أجزاء البلاد دون أن يميز بين امرأة أو طفل. وكل يوم تظهر صور وحشية جديدة. وصمْت العالم يبلغ قمماً جديدة في الخزي. إن الجهتين الوحشيتين في الحرب السورية، داعش والنظام يغذيان بعضهما البعض. ولا يوجد طريق لإنهاء خطورة داعش تماماً دون إنهاء الحرب الداخلية في سوريا، ولا نهاية للحرب دون رحيل الأسد. تركيا التي تمتد حدودها على مسافة 711 كيلومترا مع سوريا، تحمل العبء الأكبر في هذه الحرب. أما الشعب السوري فهو الذي يدفع الثمن الأكبر من عذاباته.

لقد قدمت تركيا في الحرب على داعش، ما لم تقدمه العديد من الدول الأخرى. فبالإضافة إلى كونها جزءً من الحرب على داعش، فقد فتحت مجالها الجوي لطائرات التحالف، وأوقفت ما يزيد عن 50 ألف شخص من المشتبه بانضمامهم للتنظيم، وقامت بترحيلهم أو منعتهم من دخول البلاد، وشددت من إجراءات أمن حدودها خلال موجات اللجوء إليها. ومدنها الواقعة على الحدود، أصبحت هدفًا لقذائف التنظيم الإرهابي. أما الدعم المقدم لتركيا في محاربتها ضد داعش فقد كان ضئيلاً جداً كما هو الحال في محاربتها لـ بي كا كا. حتى أن بعض الدول الأوروبية وجهت انتقادات ضد تركيا متهمة إياها بعدم إلقاء القبض على إرهابيي داعش القادمين من أوروبا واعتقالهم، وذلك بدلًا من أن تشدد تلك الدول إجراءاتها الأمنية وتزيد من تعاونها الاستخباراتي فكيف لتركيا أن تميّز القادمين من أوروبا، ما دامت الدول التي يأتي منها الإرهابيون لا تقوم بواجباتها. إذ يذكر أن عدداً من إرهابيي "داعش" الذين رحلتهم تركيا قاموا بتفجيرات إرهابية في فرنسا وبلجيكا.

لا يمكن القضاء على داعش من دون الأخذ بعين الاعتبار البيئة التي نشأ وترعرع التنظيم في ظلالها. فالحرب الأهلية في سوريا، وضعف الدول والحكومات في كل من أفغانستان والعراق وليبيا ساهم في تشكيل بيئة لتوظيف واستقطاب المزيد من الإرهابيين، ولإشاعة الدعاية التنظيمية. ولكن على الرغم من هذه العوائق الكبرى، ستستمر تركيا في حربها على داعش بكل السبل السياسية والفكرية والعسكرية.


ومؤخراً واجهت تركيا إرهاب منظمة "غولن" الإرهابية التي أظهرت نفسها بقوة عقب محاولة الانقلاب في 15 تموز. ومع أنه تم القضاء على المنظمة الإرهابية في تركيا إلى حد كبير إلا أنه لا زال هناك الكثير من الأعمال التي يجب إنجازها. فأنصار غولن يشنّون الآن حملات تشويه ضد تركيا في الخارج بكل ما أوتوا من قوة، بعد أن شعروا بذوي قوتهم داخل تركيا. لذا يجب على أصدقاء وحلفاء تركيا في أوروبا، وأمريكا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا، وبقية مناطق العالم، أن يكونوا حذرين ويركزوا على الجانب المظلم لهذه المنظمة

ومثلما تقدم تركيا الدعم للحرب على إرهاب داعش الذي يشكل تهديداً للجميع، فإن من حقها أن تنتظر الدعم من أصدقائها وحلفائها في مكافحة بي كا كا وفتح الله غولن الإرهابيتين، لأنه لا يمكن النجاح في مكافحة الإرهاب ما لم يتم اتخاذ موقف واضح وثابت ضد كل أنواعه، خطاب (إرهابيَّ مقابل إرهابيك) لا يدعم إلا الإرهابيين، الأمن عنصر أساسي بالنسبة للجميع، ولا ينفع إلا عندما يكون شاملاً للجميع.