أن تكون في العالم ولكن لست منه

إسطنبول

إن التحدي الفكري والأخلاقي المعروض علينا هو أن نكون في العالم ولكن لسنا منه، أن نعيش في العالم بطريقة تعطي نتيجة من دون أي إنكار لوجوده أو تسليم أنفسنا لذلك، والتمتع الكامل بالحياة في حين لا يغيب عن بالنا هدفنا النهائي في هذا الكون.

أحد الانتقادات الموجهة إلى الإسلام في الدوائر الدينية والاستشراقية الغربية هو أن الإسلام ديني جدا مقارنة بالمسيحية. يرى المسيحيون أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على النقيض من المسيح (عليه السلام)، متدخّل جدا في الشؤون الاجتماعية والسياسية في العالم. من هنا تتولد تهمة تفترض أن الإسلام ليس ديناً بل هو أيديولوجي. وتستند هذه التأكيدات إلى مفاهيم خاطئة ومقارنات كاذبة. الإسلام يتخذ موقفا من عدم الارتباط بالعالم دون إنكار وجوده. والتوازن الحساس هو العيش في العالم بطريقة مجدية دون أن تصبح خاضعة له.

قد نستهلك الذكاء والحكمة والفن للتعامل مع الأمور على أنها خطيرة جداً وقيمة في حد ذاتها، لكن سرعان ما ندرك في نهاية المطاف أنها صغيرة وغير هامة في ضوء ما كتبه الله ومكانتنا فيها. العالم هو ألعوبة مقنعة، لا إنسان يجب أن يفقد نفسه فيه. الذكاء البشري والكرامة فوق اللحظات العابرة للعالم. ولكن كما تفنن الله في صنعه، يكشف العالم عظمة وإبداع تصميم ورحمة الخالق. كل ذلك علامات تشير إلى شيء أكبر وأكثر أهمية من مجموع صفاته المادية.

يمكن أن يكون كل ذلك مصدرا للألم والمعاناة والعنف لكنه يمكن أن يكون أيضا ملهما للحكمة والحب والصداقة والرحمة. وهذا يقودنا إلى السؤال الحاسم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا طوال الوقت: كيف نعيش في العالم بطريقة جدية وذات مغزى دون أن نسلم أنفسنا إليه؟

هذه ليست مجرد مسألة مفاهيمية. فهي تشكل الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا. وهي تشكل الطرق التي نبني بها أو ندمر بها أيضا العالم. إنها مسألة تقع في قلب كل حضارة، وهي مسألة لا يعرف العالم الحديث كيفية الإجابة عنها.

فالمفكرون والعلماء المسلمون الكلاسيكيون أخذوا الواقع المادي للعالم على محمل الجد لكنهم لم يعتبروا أبدا أن لديهم معنى يحقق الذات بنفسه. لقد أنتجوا دراسة متقدمة وسليمة علميا عن العالم الطبيعي، ووفّروا تحليلا مفصلا للخصائص الفيزيائية للكون. ومع ذلك، فإن هذا "العالم" الذي درسوه بحزم لم يكن حقيقة تفسيرية وذا مبررات ذاتية. درسوا العالم المادي في السياق الأوسع لما سماه القرآن الكريم الحياة الدنيا. ويمكن التعبير عن هذا المصطلح الحرج بشكل أكثر ملاءمة على أنه "الحياة الدنيا".

ما هو المقصود من "الحياة الدنيا" ليس شيئا ولكن سياق العلاقات، عالم الوجود حيث مبادئ القيمة المحملة سواء بالخير أو الشر لها الأسبقية على المبادئ المادية والفيزيائية. والعالم ليس مجرد "شيء" أو "مكان" يعيش فيه البشر. وهو في المقام الأول الفضاء الأخلاقي، وسياق المعتقدات والمواقف التي تشكل الدولة البشرية. إن مواقفنا تجاه العالم مستمدة من أهمية هذا الفضاء في سياق الأغراض التي نعيشها.

ومن ثم علينا أن نعامل "الحياة الدنيوية" باعتبارها تحديا أخلاقيا وروحيا دون رفض الوجود المادي للعالم. إذ من المتوقع أن يعطي هذا العالم استحقاقه بطريقة سليمة وبهيجة، ولكن تذكر دائما ما قاله النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". فلا تعلق نفسك به أبداً، سِر على هذا الطريق وتمتع بجماله ولكن اعلم أن نهاية المطاف ليست هنا.

هذا الموقف المزدوج من عدم التعلق وإعطاء العالم مستحقه، هو امتداد لإصرار الإسلام على اتباع الطريق الوسط في كل شيء وتجنب التطرف ككل. وفي ظل ذلك، بنى الإسلام إحدى الحضارات الأكثر حداثة في تاريخ البشرية. إذ سعى المسلمون من أعيان وفلاحين وفنانين وحكام وغيرهم إلى إقامة مجتمعات تعيش في وئام منسجمة مع جمال الكون.

إن إنجازاتهم المادية والعلمية العظيمة لم تقدهم أبدا إلى المادية وعبادة العالم. لكنهم لم يرفضوا واقعها بطريقة رهبانية. تعاملوا مع العالم على أنه مرحلة عابرة ونسبية لكنهم سعوا لجعله أكثر جمالا وعدالة.

وفقا للقرآن الكريم، لقد أعطي الكون كله لنا على أنه "أمانة"، والذي تعهد إليه الأمانة يجب أن يكون جديرا بالثقة أي "أمينا". هذه هي الطريقة الوحيدة التي سيصبح فيها العالم مكانا سالما وآمنا لجميع البشر.

إن التحدي الفكري والأخلاقي المعروض علينا هو أن نكون في العالم ولكن ليس منه. أن نعيش في العالم بطريقة تعطي نتيجة من دون أي إنكار لوجوده أو تسليم أنفسنا لذلك. والتمتع الكامل بالحياة في حين لا يغيب عن بالنا هدفنا النهائي في هذا الكون.

إنّ الاتهام القائل بأن الإسلام دين دنيوي كاذب تماما. الإسلام يضع الأمور في إطار أوسع مما هي فيه حقا، دون أن ننسى الهدف النهائي من وجودنا الدنيوي. الإسلام ليس دينا ينكر العالم. لكن البراعة هي تحقيق المعنى الكامل للعدالة، وهو "وضع كل شيء في مكانه الصحيح". وعندما نكون منصفين للعالم ولأنفسنا، كل شيء سيكون بمكانه المناسب.

ومن ثم علينا أن نعيش في العالم للتغلب على صفاته الدنيا وتحقيق حالة من الكمال الأخلاقي والروحي الذي يعمل كهدف أنشأه العالم وعهد به إلينا في المقام الأول. إن تحقيق الحقيقة والفضيلة والمحبة والسعادة بطريقة حقيقية ودائمة لا يمكن إلا عندما نطور موقفا من عدم الارتباط بالعالم ونعرف تماما لماذا نحن هنا.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.