القراءة في الصيف؟

إسطنبول

مفتاح القراءة ذات المعنى، هو قراءة ما هو ضروري والقيام بذلك بطريقة منضبطة، في الصيف أو الشتاء، في المنزل أو على الطريق، وهي قراءة للكشف عن علامات في آفاق وداخل نفوسنا

أنا لا أحب ما يسمى "قوائم القراءة الصيفية" لأنها تقوض قيمة وجدية القراءة. "القراءة الخفيفة" مصطلح يبدو لي فيه إهانة لكل من الكاتب والقارئ. فبدلا من التعامل مع الكتب على أنها هواية أو قتل للوقت، ينبغي أن نعتبرها دعوة إلى التفاعل مع الأفكار والمفاهيم والمشاعر والأحلام التي يقدمها لنا كتاب جيدون من مختلف المهن.

القراءة عمل خطير. فإذا ما كنا نقرأ كتاب طبخ أو كتابا لأفلاطون، فإننا قد سمحنا للمؤلف أو الكاتب بالدخول إلى عالمنا الخاص من العقل. نحن نشاركهم في ما يحبون وما يكرهون، نقبل أفكارهم ومفاهيمهم أو ننتقدها. وأيا كانت النتيجة النهائية، فإننا نقبل دعوتهم إلى القيام برحلة فكرية. وسواء كانت مثرية، أو مدعاة للاكتئاب أو مخيبة للآمال، فإن الرحلة قد تتحول إلى أن تعتمد على الكثير من الكتب التي نقرأها ويتغذى عليها العقل والروح.

القراءة فعل من العقل وكذلك القلب. نقرأ مع عقولنا ولكن أيضا بحضور مشاعرنا وعواطفنا. سواء أكانت قراءة رواية أو كتاب عن علم الكونيات، نرد على أفكارها الرئيسية ومقترحاتها مع الخلفية الفكرية والعاطفية لدينا. الكتب تشكل تفكيرنا لكن نحن أيضا نشكل الكتب في مختلف الطرق التي نرد عليها.

قراءة كتاب جيد قد تجلب الفرح والراحة. وقد يرى البعض أنها استثمار جيد لوقت الفراغ. ليس هناك خطأ في القراءة لاسترخاء العقل ورفع الروح. لكن أي شخص يأخذ القراءة بجدية سيكسب أكثر من مجرد الاسترخاء من قراءة الكتب. ما هو الخطأ حقا هو الاعتقاد بأن علينا أن نقرأ في وقت فراغنا.

القراءة عندما تتم بشكل صحيح وذكاء، تغذي العقل والروح. لذلك فمن المهم أن تعرف ما تقرأ وكيف تقرأ. كل كتاب هو رحلة عند كتابته وعند قراءته من القارئ. علينا أن نأخذ هذه الرحلة على محمل الجد إذا أردنا تحقيق شيء جيد في النهاية. كتاب قد يجعلنا نضحك، نفكر أو نبكي. هذه كلها مسائل خطيرة عند وضعها في رحلتنا الكبيرة على هذه الأرض.

القراءة تتطلب الانضباط والتركيز. هذا لا يعني أن على المرء أن يذهب إلى مكتبة بحثية كبيرة أو أن يجلس في مكتب معزول للقراءة في كل وقت. إن قضاء الوقت في المكتبات هو تجربة مجزية جدا. مجرد النظر في عناوين الكتاب قد تفتح العديد من الاحتمالات في أذهاننا. وبالنظر إلى الفرص المتاحة لدينا للوصول إلى الكتب بسهولة اليوم، يتعين علينا ضبط إيقاع القراءة الخاص. وبطبيعة الحال، يمكننا أن نقرأ في أي مكان. كل ما نحتاج إليه هو الانضباط العقلي والتركيز.

وباعتراف الجميع، هذه ليست مهمة سهلة في العصر الذي نسمع فيه آلاف التسجيلات والأخبار يوميا. والأمر الأسوأ هو أننا نتوقع أن نرد على "الرسائل الفورية" للعالم الحديث بالطرق نفسها التي يتم إنتاجها: قصيرة، سريعة، ضحلة، عدوانية، ملغزة. يتم إنتاج كل قصة إخبارية الآن للانتقال فورا إلى المرحلة التالية: تنتج على الفور، تستهلك على الفور دون أي عمق.

وهذا يجعل فعل القراءة أكثر أهمية. نحن من المفترض أن نقرأ من أجل توسيع معرفتنا وزيادة فهمنا، وليس قتل الوقت. لذلك ما نقرأه وكيف نقرأه أمر مهم.

لكن القراءة لا تقتصر على قراءة الكتب (أو الشاشات في هذه الأيام). فهي تشمل دروبا أخرى من الوجود مثل الطبيعة والفنون البصرية والموسيقى. وكما يقول لنا الكتاب أشياء كثيرة، فإن الطبيعة أيضا تتحدث لنا. إذا كان لدينا آذان للسماع فإن لدينا العيون للرؤية، والطبيعة يمكن أن تعلمنا دروساً عميقة حول الجمال والتوازن والانسجام. الأعمال الفنية يمكن أن تثير مشاعر سامية فينا حتى نتمكن من تجاوز الشكل للوصول إلى المعنى. ويمكنهم أيضا تدريس الأشياء من خلال "العلاج بالصدمة". الموسيقى يمكن أن تكون معلمة لأولئك الذين يرغبون في تجربة معنى وراء الكلمات. هذه كلها أشكال مختلفة من القراءة في سعينا لاكتشاف أنفسنا ومكانتنا في سلسلة كبيرة من الوجود.

القراءة هي في الأساس عمل الكشف عن وتحقيق المعنى الذي يأتي في أشكال مختلفة. الحقيقة والمعنى اللذان يصبحان متاحين من خلال قراءة الكتب والفن أو الطبيعة يفتحان أبوابا لنا من الإدراك ويدعوانا لاكتشاف عوالم متنوعة لم نكن على علم بها. ولكن بما أن كل اكتشاف هو أيضا عملية اكتشاف ذاتي، فإننا نكتسب فهما داخليا للأشياء كما تقف في عالم الوجود. نكتشف أنفسنا في كل محاولة لفهم معنى الأشياء.

وهذا النهج راسخ في التقليد الإسلامي. كان أول الوحي نزل على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إذ أمره الله بكلمة "اقرأ!" وهو فعل الأمر من "القراءة". وهذا يوحي بأننا نقرأ القرآن الكريم ككتاب مقدس ولكن نسعى أيضا إلى اكتساب نظرة ثاقبة على الطبيعة الداخلية للأشياء من خلاله. ويحث القرآن الناس على قراءة العلامات داخل نفوسهم والكون حتى يتمكنوا من أن يكونوا بشرا أفضل باستخدام ذكائهم واستغلال فضائلهم. أولئك الذين لا يقرؤون في هذا المعنى يقبلون أساسا أن يعيشوا تحت إمكاناتهم الحقيقية ليصبحوا إناساً كاملين.

يجب أن نقرأ لزيادة معرفتنا وتوسيع آفاقنا واكتشاف عوالم جديدة. هذا يقودني إلى استنتاج واحد فقط: قراءة ما هو ضروري حقا ودائماً. الأشياء العصرية تأتي وتذهب. لا تضيع وقتك وتصبغ عقلك معها. قراءة لهؤلاء المؤلفين وكتبهم التي شكلت التفكير البشري، أجبرت خيالنا على خوض عباب الإدراك، وحثتنا على أن نكون أفضل وأكثر الكائنات ذكاء. اقرأ لأفلاطون وأرسطو ولا تستمع إلى أولئك الذين يقولون إنّ هذه من الأشياء الثقيلة. اقرأ ماركوس أوريليوس لترى كيف الفيلسوف الملك يكافح مع المثل والواقع والمبادئ والحقائق - نفس التحديات التي نتعامل معها على مختلف المستويات كل يوم-. اقرأ للفيلسوف سانت أوغسطين لفهم كيف يتعامل العقل من الدرجة الأولى مع قضايا الإيمان والعقل.

اقرأ تي إس إليوت و سي إس لويس اللذين يعبران عن مآزقنا الحديثة. اقض وقتا طويلا مع الفارابي وابن سينا وابن رشد والغزالي والسهروردي والمفكرين المسلمين.

اترك عقلك وقلبك للرومي وابن العربي ليأخذاك إلى أماكن عجب وحب ورحمة. مُرَّ على ابن جبير وابن بطوطة وغيرهم من العلماء المسلمين لترى كيف طور رجال الدين المسلمين فكرة العالم قبل عصر العولمة الحديثة.

ثم أغدق على نفسك من الأشعار الخالدة من حافظ، وسعدي، والخيام، والعطار، ويونس إمرة، والشعراء الآخرين الذين تغنوا بالحب الإلهي والإنساني.

ويمكن توسيع هذه القائمة لتشمل الأعمال العظيمة الأخرى في العالم بما في ذلك الحضارات الصينية والهندية. بغض النظر عن المدى الواسع الذي نرمي نحن شبكتنا فيه، على الرغم من أن مفتاح القراءة ذات المغزى هو قراءة ما هو ضروري والقيام بذلك بطريقة منضبطة. في الصيف أو الشتاء، في المنزل أو على الطريق، وقراءة للكشف عن علامات في آفاق وداخل نفوسنا.