استفتاء حكومة إقليم شمال العراق: سابقة خطيرة ذات عواقب

اسطنبول

القيادة الكردية في أربيل تعرقل المصالح السياسية والاقتصادية لشعبها بكسر العراق والنفور عن أقرب حليف لها وهي تركيا

أثار قرار حكومة إقليم شمال العراق إجراء استفتاء على الاستقلال فى 25 سبتمبر بالفعل أزمة كبرى فى المنطقة والعالم. ومن المتوقع حدوث المزيد من الهزات فى الأيام القادمة حيث يواصل الأكراد العراقيون عزل أنفسهم وفقدان المكاسب التي حققوها على مر السنين. وإذا كانت أربيل قررت إجراء الاستفتاء من أجل الاستقلال أو تقوية يدها ضد بغداد فهي تقريبا تجانب هذه الأهداف في هذه المرحلة. وستكون هناك عواقب وخيمة جراءها وستظهر على مختلف المستويات.

ففي 22 سبتمبر، انتهى اجتماع مجلس الأمن القومي التركي ببيان أن الاستفتاء "غير قانوني وغير مقبول". فيما وصفت إدارة ترامب الاستفتاء بأنه "حركة استفزازية وزعزعة للاستقرار". وقد وجه مجلس الأمن الدولي تحذيرا مماثلا يدعو أربيل إلى إلغاء أو تأجيل الاستفتاء. وأصدرت بلدان أوروبية وخليجية إعلانات مماثلة.

لا يوجد بلد يدعم تفكك العراق سوى استثناء وحيد هو إسرائيل التي أيّد رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو علنا إنشاء كردستان المستقلة، وهو دعم مشبوه جداً يجب أن يقلق الأكراد أولا، بالنظر إلى الحقائق في المنطقة، بدلا من أن يرضيهم.

وقد اتخذت بغداد بالفعل عددا من الخطوات ردا على تصويت الاستقلال. وأغلقت إيران مجالها الجوي في السليمانية وأربيل. وتعمل تركيا على اتخاذ عدة تدابير. ومن المرجح أن تحذو حذوها بلدان أخرى.

لا شك أن أكراد العراق لهم الحق في السلام والأمن والازدهار بقدر العرب والتركمان وغيرهم من القوميات التي تشكل المجتمع العراقي. فقد عانوا على أيدي الحكام الديكتاتوريين بقدر السنّة والشيعة. فيما لا ينكر أحد أنهم ساهموا في المجتمع العراقي أيضا بطرق عديدة.

وتستند خلافاتهم الرئيسية مع بغداد إلى مخاوف مشروعة. والواقع أن بغداد فشلت في تقديم القضايا الأمنية والسياسية الرئيسية ليس فقط فيما يتعلق بحكومة إقليم كردستان ولكن أيضا العرب السنة والتركمان. وقد أدى النهج الطائفي الذي اتبعته حكومتا المالكي إلى تقويض الكثير من الأمل والثقة الضروريين للحفاظ على المجتمع العراقي معا. لقد عانى الأكراد هذه السياسة غير المسؤولة والمكلفة، ولكن العرب السنّة والتركمان أيضا عانوا هذا النهج بقدر الأكراد.

في نهاية المطاف، لا يملك أكراد العراق وضعا خاصا في مواجهة محن وتحديات العراق بعد الغزو منذ عام 2003. لكن حكومة إقليم شمال العراق حققت العديد من المكاسب على الرغم من الفوضى التي وجد العراق نفسه فيها لأكثر من عقد من الزمان. إن حكومة إقليم شمال العراق هي بالفعل وحدة اتحادية مع برلمانها وعلمها وقواتها الأمنية، أي البيشمركة والضوابط الحدودية والجمركية وحتى الأموال. ولا يوجد لدى أي مجموعة أخرى في العراق أي من هذه الامتيازات. ويعمل الاستفتاء الآن على تعريض هذه المكاسب للخطر.

إن الادعاء بأن كل مجموعة إثنية يجب أن يكون لها دولة قومية خاصة بها أمر مشكوك فيه وخطير جداً. مع هذا المنطق، قد يكون لديك العشرات من الدول الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة وإفريقيا وآسيا. وليس من المنطقي تفكيك البلدان في وقت يؤدي فيه التكامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأعمق والتحالفات الإقليمية إلى خدمة مصالح الأمم على نحو أفضل.

وتنبغي معالجة الشواغل المشروعة للأكراد العراقيين في إطار السلامة الإقليمية والسيادة السياسية للعراق. إن تقسيم العراق سيشكل سابقة خطيرة في منطقة تواجه بالفعل العديد من التحديات الأمنية. يذكر أن الاستفتاء الذي يعتبر غير قانوني بموجب الدستور العراقي لن يعترف به أي بلد أو هيئة دولية.

وينبغي أن يكون واضحا أن معارضة الاستقلال ليست مواجهة مع أكراد العراق. لقد وقفت تركيا مع الأكراد العراقيين سياسيا واقتصاديا حتى في أكثر الظروف سوءا. بيد أن القيادة الكردية في أربيل تعرقل المصالح السياسية والاقتصادية لشعبها من خلال كسر العراق والنفور عن أقرب حليف لها تركيا.

وفي حين أن الاستفتاء نفسه غير قانوني ومريب، فإن إدراج كركوك، وهي منطقة متنازع عليها وليست ضمن إقليم شمال العراق، في مناطق التصويت يجعل الأمر أسوأ بالنسبة إلى التركمان والعرب الذين يعيشون في كركوك. تركيا أكثر قلقا بشأن كركوك لعلاقتها الخاصة مع تركمان العراق. كانت محاولة تغيير الديمغرافيا في كركوك سياسة خطيرة. ومع إجراء الاستفتاء في كركوك، فمن المؤكد أن الأمر سيثير التوترات العرقية وتثير اشتباكات في هذه المدينة التاريخية، وهي سياسة من شأنها أن تكون فقط على حساب حكومة إقليم شمال العراق وشرعيتها.

وعلى الرغم من التحذيرات العديدة، استمرت قيادة حكومة إقليم شمال العراق في الاستفتاء. إن عواقب الاستفتاء السلبية موجودة بالفعل. والسبيل الوحيد للمضي قدما الآن هو اعتباره ملغى وباطلا والعودة إلى طاولة المفاوضات مع بغداد في إطار السلامة الإقليمية للعراق وسيادته السياسية.

قد يكون هذا خيارا صعبا بالنسبة إلى أربيل، لكنه لا يزال أفضل من الإصرار على سياسة من شأنها أن تجعلها أكثر عزلة وضعفا.