"الحضارة" تتلاشى أمام أزمة المهاجرين

إسطنبول
نشر في 06.05.2022 13:40
آخر تحديث في 06.05.2022 14:02

لا تتطابق الأجندة الواسعة النطاق لإعادة اللاجئين السوريين إلى قلب الصراع مع خطة العالم "المتحضر" في حقبة ما بعد الحرب العالمية، فبعد الدمار العالمي الذي تسببت فيه الحروب العالمية، ساد اعتقاد بأن البشرية تعلمت الدروس وصارت تتشارك في المبادئ العالمية ما جعل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والكتل الأخرى المماثلة كلها تخرج كنتاج لهذا التفاهم.

وبحسب كتب التاريخ، فقد أحرز العالم المتحضر تقدماً في قانون اللجوء والهجرة الدائمة، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان، ومحور حق متحضر في الحياة والكرامة الإنسانية. وفي كل عام، نحتفل بذكرى الإبادة الجماعية الماضية ونواصل إدانة الفاشية. لكن ما تبين لنا الآن أن كل هذا مجرد كذبة كبيرة.والواقع أننا لم نحرز أي تقدم في هذا المجال بل على العكس نحن نخدع بعضنا والأسوأ من ذلك أننا نخدع أنفسنا.

وتشهد على ذلك المجازر المستمرة في سوريا التي كشفت عنها صور مارتن تشولوف من صحيفة الغارديان، والتي تُظهر "جريمة حرب خفية" تمثلت بمذبحة حي التضامن، أحد ضواحي دمشق السورية. إذ تُظهر اللقطات اللحظات الدموية لأناس بلا حول ولا قوة يحاولون السير باتجاه عائلاتهم وأصدقائهم ليخترق الرصاص الحي رؤوسهم. وليست الصور واللقطات المؤرخة من عام 2013 الدليل الأول والوحيد، فعلى مدى سنوات تم نشر عدد لا يحصى من الأدلة المؤكدة في الصحافة العالمية، بل تم كشف وتوثيق عمليات إبادة جماعية ومذابح دموية منذ بواكير الحرب الأهلية السورية. فما الذي كان يفعله المجتمع الدولي "المتحضر" على مدى سنوات في مواجهة هذه المأساة؟

وأنا لا أتحدث هنا عن عمليات عسكرية محدودة ضد زعيم النظام السوري بشار الأسد، بل لدي فضول لمعرفة ما هو الرأي العام وما هو الشعور البشري لأنني عندما أنظر إلى ردود أفعال الأغلبية، أجد الأمر فظيع! فالأشخاص الذين يهتمون بالحيتان التي جرفتها الأمواج على الشاطئ أكثر من المهاجرين بمن فيهم من النساء والأطفال الذين أغرق الضباط اليونانيون قواربهم وسط بحر إيجه، موجودون في كل مكان. وأستمع إلى الأشخاص الذين يشتكون من السوريين، قائلين "وكأن الأزمة الاقتصادية بعد جائحة الكورونا وأعبائها على أسعار المواد الغذائية لم تكن كافية، فنحن ندفع الضرائب من أجل الاعتناء بالسوريين وكذلك نخسر فرص عملنا".أليس من الإجرام أن ننصح الذين فروا من الحرب في سوريا للبقاء على قيد الحياة، بالعودة إلى الجحيم ونسعى لأجل هذا؟كيف يختلف هذا عن القول لليهود الذين فروا إلى دول أخرى بسبب الإبادة الجماعية التي نفذها أدولف هتلر "ارجع إلى بلدك، أليس من المخجل الفرار"؟ أم أنه ليس من الفاشية والعنصرية حرمان طفل سوري من المعاملة الحساسة لكلاب المسيحيين الفارين من الحرب في أوكرانيا؟فكيف يبدو الوضع في تركيا في ضوء هذه المعادلة؟لسوء الحظ، تزداد الأمور صعوبة في تركيا التي تتحمل وحدها العبء الاقتصادي والاجتماعي للمهاجرين المتوجهين إلى أوروبا، وقد استقبلت البلاد ما يقرب من 6 ملايين طالب لجوء.

وأكثر ما يطلقه تحالف المعارضة الذي يتطلع إلى السلطة في انتخابات 2023 ويدعمه الغرب، من وعود ذات شعبية كبيرة هو شعار "إعادة السوريين".وبالإضافة إلى السياسة، تستفز الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي حتى الفئات الحكيمة في المجتمع. ويتم نشر الأخبار والصور المزيفة التي تهدف إلى تصوير طالبي اللجوء كمجرمين محتملين بشكل منهجي ومؤثر. وباتت الحملة قوية لدرجة أن خطاب "إخراج اللاجئين" يجد استجابة حتى بين مؤيدي الحكومة.وعلى سبيل المثال، اتفق الجميع في تركيا على أنه من "الرفاهية" أن يذهب اللاجئون إلى سوريا لرؤية أقاربهم خلال عيد الفطر، لدرجة أن الحكومة اتخذت بعض الإجراءات في هذا الصدد.آمل ألا يفقد الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يقاوم هذه الموجة الفاشية وحده، عزيمته. لأننا لا نعقد أي أمل على القادة الأوروبيين.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.