سيحاكم التاريخ مرتكبي مجزرة غزة وكل من تواطأ معهم

اسطنبول

سوف تذكر الأجيال القادمة الصمت المطبق للقادة العرب حول مذبحة هذا الأسبوع، إلى جانب العدوان الأمريكي والإسرائيلي.

من جانب، إسرائيليون وأمريكيون فرحون للغاية، يغنون الأغاني ويحتفلون. على الجانب الآخر، فلسطينيون يتم استهدافهم بالقنابل والرصاص. على مدى يوم كامل، فيما العالم أجمع يشاهد هذه الوحشية والاستهتار.

في ذلك التاريخ، دخلت إيفانكا ترامب التاريخ بملابسها الفاخرة، وسط طقوس متقنة في حفل تدشين السفارة الأمريكية في القدس، تماماً مثلما قُتل 62 شخصاً وجُرح الآلاف في ذكرى النكبة. ليست أول مرة في التاريخ، ولن تكون الأخيرة، بأن يحدث مثل هذا الاضطهاد في العالم. وهذا لا يحدث في القدس فقط، إذ منذ أن خلق الله هذا العالم، دائما ما كان المقهورين والظالمين، الذين قتلوا الأبرياء دون حتى ترك جثثهم في سلام.

في واقع الأمر، فقد شهدت القدس محطات عديدة في تاريخها من التدمير والقتل والنهب. لكن التاريخ لا يذكر اللصوص والقتلة سوى كمثيري مشاكل وفوضى، ثم ما يبرح أن ينسى أسماءهم. وبغض النظر عن ولاءاتهم، فقد قوبلوا دوما بالامتعاض من جميع الأديان والثقافات. فيما كانت الطريقة التي اعتاد عليها العالم للتعامل مع الأساطير، كانت بنسج القصائد لهم، وذكر أفعالهم على كل لسان. كان هذا هو الحال منذ الأزل، حتى في الأيام التي لم يكن فيها أي تكنولوجيا أو سجلات مكتوبة.

اليوم، الوضع مختلف تمامًا. فمنذ الغزو الأمريكي الأول للعراق عام 1990، الذي بُثّت كل تفاصيله على شاشة التلفزيون. مرورا بالحرب على غزة في عام 2014، التي بث الإعلام خلالها القصف الوحشي لغزة إلى العالم أجمع. وليس أخيرا مقتل 61 فلسطينيا أعزلا في غزة الذي بث إلى جانب الاستقبال الأنيق للطاقم الأمريكي في حفل افتتاح السفارة الأمريكية الجديدة في القدس، كل شيء كان مسجلا. لذلك فالمشهد الأمريكي والاسرائيلي يلحق الأذى بعمق بملايين الناس في العالم. أمريكا هي تهديد خطير ضد السلام العالمي. لكن لدينا ثقة كاملة في التاريخ. أولئك الذين أسسوا لوضع اليوم، لمصالح معينة وأولئك الذين غضوا الطرف عما يحدث، سيحكم عليهم التاريخ والذاكرة الجماعية للناس في جميع أنحاء العالم.

بطبيعة الحال، لن يذكر التاريخ الحكاية بأن إسرائيل والولايات المتحدة كانوا يرقصون على جثث الأبرياء فقط. بل سيسجل التاريخ أيضا عدم وجود رد فعل من العالم العربي والإسلامي ضد احتلال القدس بشكل كامل بتشجيع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لقد اختفت القدس ويبدو أن الدول العربية قد حققت سلامها مع هذه الخطوة. اليوم، العالم العربي في حالة أسوأ من أي وقت مضى. الفلسطينيون ضعفاء ومنظمة التحرير الفلسطينية أشد ضعفا. لا يريد الرئيس محمود عباس اتخاذ أي موقف قوي. فهو في مأزق صعب. إذ تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن 70٪ من الفلسطينيين يريدون من عباس الاستقالة. هذا النوع من الانقسام الداخلي يزيد من ضعف الموقف الفلسطيني.

نجحت إسرائيل في فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس. الآن، هناك تصور بأن غزة والضفة الغربية والقدس هي ثلاث كيانات منفردة بدلاً من أن تكون أجزاء من كيان واحد. في الوقت نفسه، تواصل أوروبا والولايات المتحدة تقديم المساعدة المالية للرئيس عباس من أجل بث حياة جديدة في إدارته. بالنسبة لهم، النقطة الأهم هي أمن إسرائيل. وبالرغم أن الفلسطينيين يرون أن التعاون الأمني هو المشكلة الأكبر، فإن عباس غير مستعد لوقفه.

على الرغم من أن الحكومات العربية ليست بالضرورة ضعيفة، إلا أنها بالتأكيد غير مهتمة بالقضية الفلسطينية. هم ليسوا في وضع يسمح لهم باتخاذ القرارات. لذلك فهم جزء لا يتجزأ من العدوان على غزة والقدس.

لقد ضاع القادة العرب تماماً في إطار ما يسمى بصفقة القرن. هذه الصفقة تعني أن الدول الإسلامية، التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وإسرائيل، تعاني من آلاف النزاعات التي تثير الاهتمام. فمصر عبد الفتاح السيسي، على سبيل المثال، هو حليف مخلص لإسرائيل. يحاول السيسي زيادة الضغط على حماس حيث عرض عليها في الآونة الأخيرة وقف "مسيرة العودة الكبرى". وفي الوقت نفسه، فإن المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة تنحاز إلى جانب الولايات المتحدة، ومصالحها تجبرها على عدم اتخاذ أي موقف قوي بشأن بيت المقدس.

بالنسبة للشعب الفلسطيني، الأردن هو خاسر كبير آخر. على الرغم من أن ملك الأردن يستمد شرعيته من دوره كحارس لكل من المواقع الإسلامية والمسيحية في القدس، لكن يبدو أن تلك القطع الأثرية فُقدت منذ زمن بعيد. الأردن ليس في وضع يسمح له بالتحدث بسبب الضعف التجاري والسياسي الكبير الذي يواجهه في السنوات الأخيرة. وإن تركيا هي النقطة المضيئة الوحيدة في المنطقة -لا أقول هذا لأنني تركية الأصل- لكن لأن هذه هي الحقيقة. فقد اتخذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقفا أخلاقيا بشأن القدس. وسيذكر التاريخ كيف اهتمت تركيا بعمق بهذه القضية عندما لم يجرؤ أي شخص آخر على الكلام. أمس، كانت هناك احتجاجات في جميع أنحاء تركيا. وأعلنت البلاد الحداد ثلاثة أيام لتكريم الضحايا.

نحن في عشية رمضان، وقد كسرت خسارة الفلسطينيين قلوبنا. ومع عدم القدرة على القيام بأي شيء سوى الصلاة، فيما العالم الإسلامي يفطر في أمان وسلام.