أولويات تركيا في العراق وسوريا

اسطنبول
نشر في 10.11.2016 11:06
آخر تحديث في 10.11.2016 23:14

تربط تركيا بالعراق وسوريا حدود طويلة؛ إذ تمتد الحدود التركية السورية حوالي911 كيلومتراً، والحدود مع العراق حوالي 379 كيلومتراً. وقد عاشت تلك الدول وشعوبها تحت حكم الدولة العثمانية أكثر من أربعة قرون بسلام واستقرار، كما تربط تركيا بهذين البلدين الشقيقين علاقات تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية متداخلة ومتجذرة؛ ولذلك كان من الطبيعي أن تتأثر تركيا بكل ما يحدث في هذين البلدين إيجاباً أو سلباً.

لا أريد الخوض فيما آلت إليه الأوضاع في هذين البلدين وأسبابها، لكن خلاصة الأمر أن الاحتلال الأمريكي للعراق وعنف النظام السوري تجاه شعبه المطالب بالحرية وبدولة القانون، ثم التنظيمات الإرهابية والمليشيات الطائفية والتدخلات الروسية والإيرانية... كلها أمور تجمعت وأوصلت البلدين إلى حافة الانهيار.

فما هي أولويات تركيا تجاه هذين البلدين في الفترة الراهنة:

في العراق: غيّر الاحتلال الأمريكي جميع الموازين هناك، وجعل البلد مقسماً بين نفوذ ثلاث جهات هي أمريكا وإيران والأكراد. ومكّن الاحتلال الأمريكي الأكراد من إقامة إقليم شبه مستقل لهم في شمال العراق، كما سلَّم الإدارة المركزية في بغداد للكيانات الطائفية التابعة لطهران، مكافأةً لتعاونهم مع المحتل. وقد حكمت هذه الكيانات الطائفية العراق بنظام استبدادي، فتم إقصاء العرب السنّة وتهميشهم وكذلك المكون التركماني. كذلك نمو تنظيم داعش الإرهابي وتعاظم وجوده في العراق كانا نتيجة واضحة ومباشرة لسياسات المحتل الأمريكي وللحكومات الطائفية. وقد سمح الاحتلال الأمريكي والحكومات العراقية لتنظيم "بي كا كا" الإرهابي بالوجود في شمال العراق ليشكل تهديداً مستمراً ضد تركيا؛ ربما للانتقام من أنقرة التي لم توافق على استخدام الجيش الأمريكي أراضيها لاحتلال العراق.

مر العراق بأحداث جسيمة منذ ذلك الاحتلال؛ ومنذ أن سيقت البلاد لتكون تحت النفوذ الإيراني. وحتى سقوط ثاني أكبر مدن العراق، الموصل، ومناطق واسعة من البلاد تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، كانت تركيا دوماً داعمةً للعراق ولشعبه، بل دعمت الحكومة العراقية في جهودها لمكافحة الإرهاب وأرسلت مساعداتها العسكرية إلى بغداد كما أقامت معسكر بعشيقة، بالقرب من الموصل، لتدريب وتسليح أهالي الموصل والعراقيين لتحرير بلادهم من تنظيم "داعش" الإرهابي.

كذلك رفضت تركيا السياسات الطائفية في العراق، وأكدت حرصها على أن يكون العراق دولة ديمقراطية مدنية مستقلة، تتمتع بوحدتها وسيادتها وبكل حقوقها الأساسية، دون تفرقة على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو التوجه السياسي.

كما أعلنت تركيا دعمها لعملية تحرير الموصل من تنظيم داعش الإرهابي التي تقودها الولايات المتحدة، لكنها اعترضت في الوقت نفسه على مشاركة المليشيات الطائفية في هذه العملية، خشية دخولها إلى المدينة في ظل سجلات هذه المليشيات السوداء، التي تطلق على نفسها اسم "الحشد الشعبي"، بحق أهالي المدن وما ارتكبته من انتهاكات وصفت بـ "البشعة" بحق المدنيين.

هذا فضلاً عن أن تركيا لم ترد أن يظل شمال العراق معقلاً آمناً لتنظيم "بي كا كا" الإرهابي؛ فسعت لوقف مساعي هذا التنظيم لاتخاذ معاقل وأوكار جديدة له هناك، في وقت تقر فيه الدولة العراقية بعجزها عن التصدي لهذا التنظيم ووقف انتشاره على أراضيها، واتخاذها قاعدة انطلاق للهجوم على تركيا. من البديهي أن يكون لتركيا في ظل هذه الأوضاع الحق في الدفاع عن نفسها ضد هذه التنظيمات الإرهابية التي تشكل خطراً بالغا على أمنها وعلى حياة مواطنيها.

أنقرة تشعر بالقلق أيضاً من ذلك النفوذ الإيراني المتزايد في الدولة الجارة لها، وتعتبر أن السياسة التوسعية لإيران في العراق وسوريا ولبنان تهدد أمنها وأمن الدول العربية الجارة لها. وليس سراً أن طهران تسعى لفتح ممر إيراني من خلال الموصل وتلعفر العراقيتين إلى الرقة وحلب السوريتين، ومن ثم الوصول إلى البحر المتوسط؛ وبذلك تستطيع استخدام هذا الممر في نقل النفط ونقل المليشيات والسلاح والعتاد إلى أنصارها ومليشياتها في الدول المستهدفة.

كما أن تركيا معنية بأمن أتراكها العراقيين، وهم تركمان العراق الذين يشكلون ثالث أكبر قومية بعد العرب والأكراد في المنطقة، وهذه القوميات الثلاث هم السكان الأصليون منذ مئات السنين.

ومن ثم، فإن القول إن كل هذه الأمور هي شأن عراقي داخلي ليس صحيحا؛ لأن هذه التطورات باتت تهدد الأمن القومي التركي بشكل مباشر، وعليه لن تبقى تركيا مكتوفة اليدين أمام كل هذه المخاطر.

أما في سوريا، فتركيا كانت وما زالت مع حل شامل للأزمة السورية، والحل الشامل في رأيها يبدأ برحيل نظام الأسد الذي هو السبب في كل هذا القتل والدمار؛ لكن يبدو أن دول العالم الكبرى غير معنية بإيجاد حل سلمي في سوريا يرضي الشعب السوري المنكوب!.

ومع تواصل إصرار أنقرة على ضرورة الحل الشامل، فإن تركيا في الوقت نفسه تتحرك لحماية أمنها القومي تجاه تنظيم "حزب الاتحاد الديمقراطي" (بي يي دي) الإرهابي ومليشياته المسلحة، إضافة إلى تنظيم "داعش" الإرهابي، فتركيا تؤكد دوماً أن "داعش" و"بي كا كا" وجهان لعملة واحدة وتجب محاربتهما مع جميع التنظيمات الإرهابية. فيما يجد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أولويته في ضرب "داعش" فقط، فيرى أن لا مانع من استخدام تنظيم "بي يي دي" الإرهابي، وهو الامتداد السوري لتنظيم "بي كا كا" (العمال الكردستاني) الإرهابي كقوات برية لضرب داعش، بمعنى أن يضرب تنظيماً إرهابياً بتنظيم إرهابي آخر، الأمر الذي رفضته وترفضه تركيا شكلاً ومضموناً.

بعد انقطاع الأمل من الحليف الأمريكي، أطلقت تركيا خطتها الوطنية لتحرير مناطق حدودها من تنظيم داعش ومليشيات "بي يه دي"، والعمل على إقامة منطقة آمنة خالية من هذه التنظيمات الإرهابية. فقامت بالتعاون مع فصائل الجيش السوري الحر بعملية درع الفرات، التي تم من خلالها تحرير جميع المناطق الحدودية من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي، وتفويت الفرصة أمام تنظيم "بي كا كا" الإرهابي من توسيع مناطق سيطرته في شمال سوريا، وما زالت هذه العملية تتقدم بنجاح نحو تحرير مدينة الباب ومنبج من جميع التنظيمات الإرهابية.

كما أعلنت تركيا دعمها لعملية تحرير مدينة الرقة السورية شريطة عدم مشاركة تنظيم "بي يي دي"، الجناح السوري لتنظيم "بي كا كا" الإرهابي، في هذه العملية، ومازالت المباحثات جارية مع الأمريكيين حول هذا الموضوع.

إذن، فإن أولويات السياسة التركية في سوريا تتركز على نجاح عملية درع الفرات في أهدافها الرامية إلى دحر تنظيم داعش الإرهابي من المناطق الحدودية، ومنع تنظيم "بي يي دي" الإرهابي من إقامة كيان إرهابي على الحدود التركية، إضافة إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ولهذا سيتم تحرير منطقة عفرين وشرق الفرات بعد تحرير غربه.

وكما في العراق، فقد أكدت تركيا دوماً رغبتها في أن تتحول سوريا إلى دولة ديمقراطية مدنية يتمتع فيها جميع أطياف شعبها بحقوقهم كاملة، في ظل غياب دولي شبه كامل عن السعي لتحقيق هذه الأهداف.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.