عملية غصن الزيتون

بعد تحذيرات متكررة بأن تركيا لن تسمح بقيام واستمرار كيانات إرهابية على حدودها، وبعد الجهود الدبلوماسية الحثيثة مع جميع الفاعلين الدوليين، أطلقت تركيا في العشرين من شهر يناير الحالي عملية غصن الزيتون، لحماية أمنها وإنهاء الخطر الإرهابي الانفصالي من حدودها الجنوبية مع سوريا. العملية جاءت وفقاً للقانون الدولي في حق الدفاع عن النفس  وفي إطار مكافحة الإرهاب.


في يومها الثامن تتقدم العملية بنجاح وقد طُهّرت عشرات القرى وحُيّد مالا يقل عن 400 عنصر من تنظيم العمال الكردستاني الإرهابي وامتداده السوري من الوحدات الإرهابية، مقابل استشهاد ثلاثة عسكريين من الجيش التركي حتى الآن وفقاً لبيان الجيش التركي. تشارك في العملية أيضا فصائل من الجيش الوطني الحر من المعارضة السورية.

يقول البعض إن العملية تسير ببطء، هذا القول قد يكون صحيحاً إن أخذنا بعين الاعتبار حرص تركيا الكبير على سلامة حياة الجنود البواسل، والحرص الأكبر على سلامة المدنيين. فلولا هذا الحسبان، لكانت العملية أنجزت بسرعة أكبر. صحيح هناك تحصينات كبيرة، ولدى المجموعات الإرهابية أسلحة متطورة، لكن كل هذه الصعوبات ستزول أمام قدرة الجيش، فالجيش التركي من أقوى جيوش العالم ولديه إمكانات وخبرة كافيتان لحسم الأمر.

جدير بالذكر أن 70% من النظم والأسلحة التي يستخدمها الجيش التركي محلية الصنع، فتركيا من الدول المتقدمة في مجال الصناعة العسكرية.

نريد التذكير ببعض الحقائق المتعلقة بعملية غصن الزيتون:

- تركيا تستخدم حق الدفاع عن النفس وترد على انتهاكات المجموعات الانفصالية الإرهابية المسيطرة على الطرف الآخر من حدودها، فالهدف هو الحفاظ على أمنها، وإزالة الأخطار من طول الحدود الجنوبية لها.

- العملية ضد تنظيم العمال الكردستاني الإرهابي وامتداده السوري الذي ينشط تحت مسميات مختلفة، ليست ضد الأكراد أو مكتسباتهم المشروعة كما يحاول التنظيم الإرهابي الترويج له.

ومثلما تنظيم داعش المتطرف الإرهابي لا يمثل الإسلام كذلك هذه المجموعات الإرهابية التابعة لـ بي كا كا لا تمثل إخواننا الأكراد، إذ إن عشرات من منظمات وأحزاب كردية ومئات آلاف الأكراد السوريين فروا إلى الأراضي التركية من ظلم واستبداد هذه المجموعات الإرهابية، وعملية غصن الزيتون تستهدف تحرير أهالي المنطقة العرب والتركمان والأكراد من هذا الاستبداد.

- غصن الزيتون تعتبر المرحلة الثانية من عملية تطهير حدود البلاد الجنوبية من الكيانات الإرهابية، إذ إن المرحلة الأولى كانت عملية درع الفرات التي نجحت في تطهير أكثر من مئة كيلومتر من الحدود السورية التركية من تنظيم داعش الإرهابي، وما غصن الزينون إلا المرحلة الثانية من هذه العملية الكبرى والتي تهدف بدورها إلى تحرير منطقة عفرين ومنبج.

- تركيا لا تحتاج إلى إذن أحد للدفاع عن نفسها، ولكن نظراً إلى تعقيد الوضع في سوريا فثمة حاجة إلى التشاور والتنسيق مع الأطراف الدولية هناك، إذ تم التنسيق مع روسيا كون عفرين تقع في منطقة نفوذها. في الواقع موسكو تظهر تفاهماً وتعاوناً أكبر تجاه أنقرة ودوافعها للقيام بهذه العملية، لأن منطقة عفرين تحولت إلى بؤر إرهابية خلال ما مضى من الأزمة السورية. أما ما يشاع عن صفقة تركية روسية في عفرين فهذا شيء لا حقيقة له أصلاً.

- إن التواصل مع النظام السوري يتم بواسطة الروس والإيرانيين وليس مباشرة معه بسبب استمراره في قتل شعبه. كما أن النظام لا يسيطر على هذه المناطق الحدودية، ويعلم يقيناً أن العملية التركية تصب في مصلحة وحدة سوريا. أما تصريحاته المنددة فجاءت فقط من باب إثبات الوجود والعلاقات العامة.

- أما فيما يتعلق بالمواقف الدولية فمجموع تلك المواقف يظهر أن هناك تفهماً لحاجة تركيا إلى تأمين أمنها وأمن مواطنيها، فهي من أكثر الدول التي تتعرض للهجمات الإرهابية.

- لقد أكد حلف شمال الأطلسي وبعض الدول الأعضاء فيه مثل إنكلترا دعم حق تركيا في الدفاع عن النفس، فيما أعربت دول أخرى عن تفهمها مع إظهار قلق وتحفظ. أما واشنطن الحليف المفترض لأنقرة فلم تتبنَّ مواقف صريحة واضحة، إذ خرجت بتصريحات تؤكد حق تركيا في حماية نفسها، وأخرى تظهر الانزعاج من العملية التركية وإمكانية تمددها إلى منبج وما بعد منبج أي شرق الفرات.

يبدو أن واشنطن في حيرة من أمرها ولا تعلم ماذا تفعل، هل تقف إلى جانب حليفها التقليدي والقوي أنقرة، أم تمضي في تحالفها مع المجموعات الانفصالية التي تنظر إليها تركيا على أنها إرهابية تهدد أمنها القومي؟

لقد كانت دعوة مسؤولين أمريكيين الجيش التركي إلى تحديد مدة العملية، وتوخي الدقة بخصوص سلامة المدنيين مثيرة للسخرية! فأمريكا التي تحتل أو تهيمن على بلدان من العالم الإسلامي ومسؤولة عن قتل ملايين المدنيين، تدعو تركيا إلى توخي الدقة بخصوص حياة المدنيين!

بدلا من إطلاق التحذيرات لتركيا يجب منع الإرهابيين من استهداف المدنيين، فالتنظيم الإرهابي يقصف المناطق الحدودية والمدنيين ومثال ذلك قصفه مسجداً تاريخياً داخل الأراضي التركية أسفر عن مقتل وجرح عدد من المصلين.

-هناك تأكيد بخصوص نية واشنطن العمل مع أنقرة في المنطقة، فهي حين رأت جدية تركيا وحزمها في حماية أمنها وإفساد مشاريع تقسيم المنطقة، بدأت تتحدث من جديد عن إمكانية تأسيس حزام أمني على طول الحدود السورية التركية، ويبدو أن الهدف من هذا الاقتراح إيقاف عملية غصن الزيتون، ولكن ردّ أنقرة كان صريحاً: إننا لا نثق بكم وعملية غصن الزيتون ستستمر حتى تحقيق جميع أهدافها.

- وبشأن ما أثير عن احتمال حدوث مواجهة مباشرة بين الجيش التركي والعناصر الأمريكية في المنطقة، فأعتقد أنه لن تحدث في عفرين بسبب عدم وجود تلك العناصر هناك، أما في منبج فستضطر أمريكا إلى سحب عناصرها منها عندما تصل عملية غصن الزيتون هناك وترى جدية الجيش التركي. فقد كانت هناك تعهدات ووعود سابقة صدرت من الرئيس الأمريكي بهذا الخصوص لم تلتزم بها واشنطن وحان الأوان كي تلتزم بها.

- عندما تبدأ المرحلة الثالثة والنهائية من عملية تحرير الحدود الجنوبية لتركيا في شرق الفرات ينبغي التنسيق بين الجانبين التركي والأمريكي لتفادي صدام محتمل هناك. وحينها يمكن إنشاء حزام أمني من شرق الفرات حتى الحدود العراقية بعمق ثلاثين أو أربعين كيلومتراً بحسب الاحتياجات الأمنية لتركيا، وفي هذه الحالة سيزول احتمال المواجهة بين الجيشين التركي والأمريكي الحليفين في الناتو!

تركيا تمد غصن الزيتون لأهالي المنطقة، أما من له مشاريع الانفصال والتخريب، فأقول إن القوة تفسد حيله ومكائده.