عملية الحزم التركية في شمال العراق

اسطنبول

تركيا تستخدم حق الدفاع عن النفس للقضاء على المجموعات الإرهابية، وإنهاء تلك المجموعات يصب في مصلحة دول المنطقة جميعها. القول إن هذه العملية تنتهك سيادة العراق ليس صحيحاً، إنما هي دعم يقوي وحدته وسيادته

أطلقت القوات المسلحة التركية منذ أواسط شهر مارس الماضي عملية الحزم، لتطهير جبال قنديل من عناصر تنظيم العمال الكردستاني الإرهابي، وتدمير مواقعه ومخازنه ومراكزه ومعسكراته المنتشرة في هذه الجبال التي تقع في مثلث تركي عراقي إيراني.

تعتبر جبال قنديل المعقل الرئيسي لذاك التنظيم ومن هناك ينطلق عناصره لشن هجمات إرهابية ضد تركيا وشعبها. تستهدف عملية الحزم إنهاء وجوده وإخراجه من موقع تهديد تركيا والبلدان الجارة.

إذاً يجب النظر إلى عملية تطهير قنديل في إطار القرار التركي بضرورة التحرك لتنظيف الحدود الجنوبية للبلاد من العصابات الإرهابية أياً كانت، على إثر هذا القرار الإستراتيجي لمجلس الأمن القومي التركي أطلق الجيش عملية درع الفرات وغصن الزيتون في شمال سوريا، وطُّهرت المناطق الحدودية غرب الفرات من سيطرة داعش وب ي د الإرهابيين، كما اتُّفق مع الولايات المتحدة على تنظيف منطقة منبج من قبضة التنظيم الانفصالي الإرهابي، وأزف أوان إنهاء الوجود الإرهابي في شمال العراق!

عملية الحزم تُنفذ على مراحل.. التقدم نحو قنديل خطوة بخطوة، بعمليات برية للقوات الخاصة، ومن ثم تحرير القرى والبلدات الخاضعة للتنظيم الإرهابي، وبعد ذلك تأسيس قواعد عسكرية ومراكز مراقبة، ومحاصرة الإرهابيين في معاقلهم الرئيسية وضربها بعمليات برية وجوية مشتركة.

لقد شنت تركيا سابقا عمليات عسكرية في جبال قنديل ودحرت الإرهابيين عنها، ولكن ما إن رجع الجيش، حتى عاد التنظيم إلى هذه المواقع من جديد ، أما هذه المرة فسيكون الوضع مختلفا، إذ لا عودة للجيش قبل تدمير جميع الإرهابيين ومقدراتهم، وشل قدرتهم على العودة مرة أخرى إلى هذه المناطق الجبلية الوعرة.

العملية بدأت بعد جهود دبلوماسية مكثفة، إذ قام المسؤولون الأتراك بزيارات متكررة إلى بغداد وطهران وأربيل وواشنطن، ونجحوا في تحقيق توافقات مع هذه الأطراف، الأمر الذي يفسر عدم اعتراضهم على العملية، فضلا عن إبداء تفهم تجاهها، باستثناء بعض جهات تغرد خارج السرب.. بغداد وأربيل تدركان جدياً أن هذه العمليات هي ضد التنظيم الانفصالي الإرهابي، وتصب في مصلحتهما.

تركيا تستخدم حق الدفاع عن النفس للقضاء على المجموعات الإرهابية، وإنهاء تلك المجموعات يصب في مصلحة دول المنطقة جميعها. القول إن هذه العملية تنتهك سيادة العراق ليس صحيحاً، إنما هي دعم يقوي وحدته وسيادته. فإذا كانت الدولة العراقية عاجزة عن إنهاء وجود هذه المجموعات الإرهابية على أراضيها، فتركيا قادرة وعازمة على القيام بهذه المهمة لحماية نفسها وجيرانها..

من جهة أخرى، من الخطأ التشكيك في قدرة القوات المسلحة التركية على إنجاح المهمة، فينبغي على المشككين أخذ الدروس والعبر من نتائج عملية عفرين وما قيل عنها. إن الجيش التركي من أقوى وأقدر جيوش العالم على حسم مثل هذه العمليات بنجاح تام. فتركيا اليوم أقوى من تركيا الأمس، وأكثر من تسعين في المئة من الأسلحة والذخائر المستخدمة في هذه العمليات محلية بامتياز بحسب تصريحات المسؤولين.

أما الكلام أن العملية أطلقت لأغراض انتخابية فليس صحيحا، لأنها بدأت كما قلنا في الـ 11 من شهر مارس الماضي، أي قبل إعلان الانتخابات المبكرة، وهي تتقدم بحسب الخطة العسكرية المرسومة لها، كما أنها ستستمر شهورا، ومن غير المنطقي استغلالها لأجل الانتخابات التي ستجرى خلال الأيام العشرة المقبلة. بيد أنه بكل تأكيد سيكون لنتائج هذه العملية الكبيرة انعكاسات وارتدادات داخلية وخارجية.

نحن أمام تطبيق وتنفيذ قرار الدولة التركية الحازم القاضي بإزالة الإرهاب من على حدودها الجنوبية بعد إنهائه داخلها، بل عدم السماح للقوى الإقليمية والدولية باستخدام التنظيمات الإرهابية لتهديد أمن وسلامة البلاد. تركيا قادرة على حماية نفسها من أي عبث!