واشنطن تخادع في الباب لترك تركيا تحت الاختبار

أثبتت الإدارة الأمريكية في أيامها وساعاتها الأخيرة في الحكم، أنها لا تزال قادرة على أن تتفوق على نفسها في المكر والخداع في الملف السوري وفي التعامل مع تركيا، حليفتها في الناتو.

فقد علمت من مسؤولين أتراك أن تركيا طلبت من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التدخل لدعم العملية العسكرية التي تقوم بها مع الجيش السوري الحر في الباب، في غير مرة، إلا أن البنتاغون كان يختلق أعذاراً تقنية بالية لا تقنع أحداً، سوى الناطقين باسمه على أية حال.

وبعيداً عن الحجج الزائفة، فإن المشكلة تكمن في نقطة يسهل توضيحها. وهي أن الامتداد السوري لتنظيم بي كا كا الإرهابي (تنظيم ب ي د) وجناحه المسلح ي ب ك الحليفين للولايات المتحدة في الحرب على داعش، طلبا من واشنطن حماية الوجود الكردي من التهديدات التركية في منبج التي تم الاستيلاء عليها مؤخراً، وإلا فإن التنظيمين لن يشاركا في الحرب على الرقة مع المقاتلين العرب. والولايات المتحدة تعتبر أن على تركيا عدم ملاحقة تنظيم "ب ي د" على الرغم من أن الانتحاريين الذين دربوا على يديه كانوا السبب في مقتل العشرات من المدنيين في تركيا.

فماذا الذي بإمكان الولايات المتحدة فعله لوقف تركيا عن دخول منبج؟ كل ما تملكه واشنطن، هو عدم تقديم الدعم العسكري للعملية التركية في الباب، في الوقت الذي تزداد فيه خسائر الجيش التركي في سوريا. واشنطن أدارت ظهرها لتركيا في الباب، بينما كانت مقاتلاتها لا تزال تنطلق من قاعدة إنجيرلك الجوية لدعم "ب ي د" قرب الرقة.

وقال مسؤول أمريكي لوكالة الأناضول للأنباء الأسبوع الماضي، إنه كان باستطاعة البنتاغون تقديم الذخيرة والمعلومات الاستخباراتية والغطاء الجوي للعملية في الباب، بشريطة عدم اقترابها من منبج. من الواضح أن واشنطن كانت مستعدة لتقويض الحرب على داعش، عندما لم تتفق آليتها مع الأهداف التي وضعتها لنفسها، مثل رفع أسهم أوباما بالهجوم المرحلي على الرقة، قبل خروجه من البيت الأبيض.

لكن هذا الخيار أكثر سوءاً مما يبدو. ليس لأن الولايات المتحدة فشلت في الحفاظ على وعودها فحسب، بل لأنها اتخذت خطوة خاطئة بترك حليف الناتو، في أيامه الصعبة في سوريا، خاصة كون تركيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تجرأت على تحريك قوات برية للحرب على داعش في سوريا.

فضلاً عن أن باراك أوباما قد وعد أردوغان شخصياً بخروج جميع قوات "ي ب ك" من منبج، وهو ما لم يحدث مطلقاً. فقد زار وفد تركي أمريكي مشترك منبج في ديسمبر الماضي، وشهدوا الوضع على الأرض، ووجود قوات "ي ب ك" وسيطرتها على المدينة.

كما تم التخطيط لزيارة أخرى تقوم بها هذه اللجنة المشتركة، لكن لم يحدد موعدها بعد. وبينما تطالب تركيا بدعم الولايات المتحدة، تنشغل الأخيرة باختلاق المزيد من الأعذار. فعلى سبيل المثال، قال مسؤولون أمريكيون، لصحيفة النيويورك تايمز، نهاية الأسبوع الماضي، إن المقاتلات الأمريكية لم تكن قادرة على قصف مواقع داعش في الباب لأن تركيا منعت طائرات الاستطلاع الأمريكية من التحليق الاستطلاعي فوق المدينة للحصول على معلومات استخباراتية. وهو ما نفاه مسؤول تركي بكل وضوح. أضف إلى ذلك أن المتحدث باسم البنتاغون، جيف دافيس، قال لي الأسبوع الجاري، إن الولايات المتحدة لن تطلب إذن أحد إن أرادت القيام بجولات استطلاعية استخباراتية في سوريا.

إذا، لماذا قاموا باختلاق هذه الحجة؟ هناك سببان. الأول، أنه ربما من الأسهل إلقاء اللوم على تركيا بالقول إن أنقرة لا تفعل ما يجب أن تفعله. وثانياً، أن المسؤولين الأمريكيين أرادوا تصدير معلومة حول قرارهم بالتدخل بجمع معلومات استخباراتية من الباب على أنه تقدم في الملف أمام الإعلام وبادرة حسن نية، للتدليل على نية حل الخلاف القائم مع تركيا.

إنه لمن المحزن أن يكون لنا حليف هنا، يقف جنوده مكتوفي الأيدي بينما يواصل "ب ي د" غسل الدماغ الذي يمارسه على المقاتلين العرب، مروجاً لكراهية تركيا وللهراء الذي يقوله زعيمه عبد الله أوجلان. المسؤولون الأمريكيون لا يزالون يمتلكون الجرأة على نكران وجود هذا الخطاب والتلقين في صفوف التنظيم، على الرغم من كل التقارير الموثوقة والتهديدات الموثقة التي يطلقها التنظيم ضد تركيا.

على الأقل يمكن الآن تخمين الأسباب وراء هستيريا عداء الولايات المتحدة في تركيا.