ما الخطوة التالية للولايات المتحدة في سوريا؟ لا أحد يعرف حقا

اسطنبول

في هذه الأجواء المشوشة جدا لإدارة ترامب مع التغيير المستمر للمسؤولين البارزين، تحولت البيروقراطية في الولايات المتحدة الآن إلى خلاف عسكري-مدني.

هناك تكهنات مستمرة في واشنطن حول آفاق فريق الأمن القومي الجديد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبالتحديد حول ما يخططون للقيام به في الشرق الأوسط. يصطف الصحفيون للاتصال بالخبراء والمسؤولين السابقين والمسؤولين الحاليين لفك تشفير إستراتيجية ترامب في المنطقة. ويعلم الجميع أن هذه المحاولات لا تحصل على شيء في المقابل، لأن مؤسسة واشنطن لا تعرف شيئاً عن المستقبل. وكما قال أحد الخبراء المقربين من الإدارة على نحو مناسب: "أي شخص يدعي أنه يعرف ما الذي ستفعله إدارة ترامب في المنطقة، يجب أن يعرف أنها تكذب".

وقد صرّح مسؤول غربي منذ أيام قال: "لا يمكنني حتى إقامة علاقة عمل مع نظرائي الأمريكيين لأنهم يتغيرون بشكل متكرر جدا. حتى إنني لا أعرف إن كان المسؤول الأمريكي يخبرني برأيه الخاص أو بالرأي الرسمي، لا أستطيع التفريق".

كل شهرين، يطرد ترامب شخصيات من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، أو من أعضاء الحكومة، أو مستشاري الأمن القومي، أو حتى كبار المساعدين في البيت الأبيض. هناك تقارير لا نهاية لها عن الفصل القادم، شائعات كثيرة تظهر بشكل مستمر مرتبطة بتفكير الرئيس حول كبار المسؤولين. حالة من الفوضى تطغى على الإدارة الأمريكية، فمثلا وزارة الخارجية الأمريكية في حالة خراب مع غياب كبار المسؤولين فيها.

ويوم الثلاثاء، تحدث ترامب عن سحب الجيش الأمريكي من سوريا، معلنا أن الحرب ضد داعش قد انتهت تقريبا. وعلى بعد بضعة أميال من البيت الأبيض، تناقض مساعدوه الكبار مثل قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لمواجهة داعش، بريت ماكغورك، مع الرئيس وقال إن المعركة ما زالت مستمرة، مشددا على أهمية "الهزيمة الدائمة لداعش" وهو مصطلح يشير إلى الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في شمال شرق سوريا.

وفي حين يتحدث ترامب عن سحب قوات بلاده من سوريا، تخطط القيادة المركزية الأمريكية لمضاعفة عدد الجنود الأمريكيين الموجودين على الأرض. وتقول تقارير إخبارية تركية إن الجيش الأمريكي أسس قواعد مجهزة في منبج، وهي إشارة إلى تركيا بأن القوات لن تغادر.

كما تدير القيادة المركزية الأمريكية وقيادة القوات الخاصة الأمريكية علاقاتها باستعراضية شديدة. في البداية، دعوا المنظمات الإعلامية الأمريكية الرئيسية إلى منبج في فبراير الماضي، وذلك لإرسال رسالة إلى أنقرة، حيث قال الجنرال بول فانك آنذاك: "لقد تعرضنا لضربة قوية، وسنرد بقوة، وسندافع عن أنفسنا". بالنسبة إلى بعض المسؤولين الأمريكيين، كانت هذه خطوة حمقاء لأنها لم تؤدّ إلى انكماش بعدها، بل زادت التوترات بين أنقرة وواشنطن.

في الأسبوع الماضي، انتقد مسؤولون عسكريون أمريكيون ترامب من خلال شاشة "إن بي سي نيوز"، حيث عرضت القناة تقريرا ذكر أن إحساسا عميقا بالإحباط، يقترب من الغضب، بدأ يتنامى بين قادة القوات الخاصة الأمريكية. وقال التقرير "أعرب العديد من المسؤولين العسكريين الأمريكيين عن إحباطهم لأنهم نقلوا مخاوفهم في المذكرات، بيد أنهم وجدوا البيت الأبيض غير مركّز أو غير مدرك تمامًا للفروق الدقيقة في الحرب على داعش في سوريا".

ثم كشفت وسائل الإعلام في الولايات المتحدة عن أن ترامب جمد صندوقًا لتحقيق الاستقرار قيمته 200 مليون دولار تم تخصيصه من قبل وزيره السابق ريكس تيلرسون، بعد أن علم به من تقرير إخباري.

والآن تبدو الصورة وكأن هناك مستشارون للأمن القومي، ووزراء للدولة وغيرهم من كبار المسؤولين الذين يتم طردهم أو تغييرهم بشكل متكرر، دون أن تستطيع بيروقراطية الأمن القومي أن تقدم أي شيء على الإطلاق. الإحساس في أنقرة هو أن هناك إصدارات -نُسخ- مختلفة من الحكومة الأمريكية، تستخدم إستراتيجيات مختلفة في سوريا.

وبينما يعتزم ترامب إحداث تغييرات قصوى في سياسة الولايات المتحدة في سوريا، فإن القادة العسكريين الأمريكيين، يحاولون تعزيز مكاسبهم من خلال تصميم المستقبل بسلطة منحها ترامب لهم ولنفسه في العام الماضي.

وسيحتاج ترامب إلى سحب السلاسل البيروقراطية العسكرية والمدنية، التي يبدو أنها تقوم على نحو متزايد بسياساتها الخاصة في تفويضها المحدود.

من ناحية أخرى، يسعد المسؤولون الأتراك أن ترامب والرئيس رجب طيب أردوغان قد تبادلا المزيد من الملاحظات في الأسبوعين الماضيين. بالرغم من ذلك، فإن تحليل أحد المسؤولين الأتراك لإدارة ترامب، لخّصت الموقف بشكل جيد حين قال: "إنه يدير الأمور مثلما يدار الحساء".

وردا على سؤال حول ما إذا كانت المجموعة العاملة في منبج ستكون في مكانها في المستقبل القريب، كان مسؤول تركي كبير متفائلا، لكنه مع ذلك قال إنه لا يعرف حقاً ماذا سيحدث.

وقال مسؤول تركي كبير: "لا أعتقد حقاً أن الولايات المتحدة ستسحب قواتها من سوريا. لكن المحادثات لا تزال مستمرة وإيجابية. لا يمكن القول إننا قريبون أو بعيدون عن صفقة ثنائية، خاصة مع هذه الإدارة الممزقة". وأردف: "في نهاية المطاف، سيصلون الى نتيجة مع الطرف التركي".