إعادة تشكيل دبلوماسية السياسة الخارجية التركية

نشر في 14.01.2022 12:36

في ضوء التحديات الأمنية المتزايدة، تسعى أنقرة لمنح عمليات التطبيع مع الدول الإقليمية الهامة زخماً أكبر

فالدبلوماسية التركية تعاملت على مدى العقد الماضي، مع العديد من قضايا ومشاكل السياسة الخارجية المعقدة، كالحروب الأهلية والتوترات المستمرة في سوريا والعراق وليبيا، وكذلك المشكلات البحرية التي لم يتم حلها في بحر إيجه ومنطقة شرق البحر المتوسط، إضافةً إلى توترات طفيفة مع بعض دول الخليج وتوترات أوكرانيا والناتو مع روسيا على الحدود وفي البحر الأسود. وشكلت كل هذه القضايا السياسية الخارجية إلى جانب التحديات والتوترات المنهجية، أولوية قصوى بالنسبة لتركيا، جعلتها تعمل على اتخاذ خطوات واضحة.

وظلت العلاقات الدبلوماسية التركية مع بعض الدول العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، إشكالية ولا يمكن التنبؤ بها، لما يقرب من عقد من الزمان. وبقيت البلاد في حالة تأهب دائم بسبب التهديدات الإرهابية المحلية والبيئة الأمنية المتقلبة في المناطق المحيطة بها. كما أدت التحديات الأمنية الحالية والتوترات الدبلوماسية مع الدول المجاورة والدول المهيمنة، إلى تشديد موقف السياسة الخارجية التركية، وقيّدت مبادراتها البناءة والاستباقية.

فهل تتغير التوترات مع الزمن؟

خلال العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، طغت التوترات الآنفة على سياسة تركيا الخارجية البناءة، وبحلول عام 2022 من المتوقع أن نشهد تحول جديد في السياسة الخارجية للحزب الحاكم، حيث سيتم إعطاء الأولوية للعلاقات الاقتصادية ومبادرات السياسة الخارجية الإيجابية، بعد أن سيطرت الاضطرابات الإقليمية والمخاوف الأمنية المختلطة إلى حد ما على العقد الثاني من السياسة الخارجية للحزب.

وبالرغم من إظهار تركيا مرونةً في هذا العصر الذي اتسم بعدم الاستقرار والصدمات الأمنية، إلا أن هذه الحقبة خلفت وراءها إرثاً مكلفاً تمثل بتدهور العلاقات مع بعض الأصدقاء السابقين، والخلافات مع الحلفاء وهيمنة الأجندة الأمنية وغيرها من التكاليف الباهظة.

كما أجبرت المخاطر والفرص الجديدة التي برزت في البيئة الغامضة للنظام الدولي بعد كوفيد-19 تركيا، مثل العديد من الجهات الفاعلة الدولية الأخرى، على مراجعة استراتيجيتها في السياسة الخارجية، فاحتلت التهديدات الإرهابية الحالية وأزمات السياسة الخارجية، مراكز الأولوية في أجندة الأمن القومي للبلاد فضلاً عن المرونة الاقتصادية والاجتماعية.

فهل تعيش البلاد حالة تأهب للمواجهة؟

لا تزال العديد من المشكلات الحالية بدون حل، وهي تشكل تحديات كبيرة للأمن القومي التركي. لكن الأهم من ذلك، أن هذه المشاكل تعيق تعزيز الشراكات الدبلوماسية والاقتصادية مع بعض الدول القوية المجاورة والبعيدة. كما تعطي الأجندة الأمنية والدفاعية الأولوية لأدوات القوة والنهج العسكرية في السياسة الخارجية لتركيا. ما جعل الدبلوماسيون والمسؤولون العسكريون الأتراك في وضع دائم لإدارة الأزمات، وأصبحوا يتصرفون بشكل أكثر فاعلية وليس استباقياً في عصر عدم اليقين هذا.

وخلال الأشهر العديدة الماضية، أعطت تركيا الأولوية لتطبيع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة ومصر وأرمينيا. ولا يزال الدبلوماسيون الأتراك يكثفون مساعيهم أيضاً من أجل إيجاد وسائل جديدة لحل المشاكل مع الولايات المتحدة بآلية دبلوماسية مختلفة. وهناك مبادرات مطبقة لتطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية وإسرائيل واليونان.

ختاماً نقول إن الجهود الأخيرة للتطبيع والمبادرات الدبلوماسية الاستباقية، هي التي تشكل أجندة السياسة الخارجية التركية ذات الأولوية لعام 2022.

وستبقى تركيا في حالة تأهب لمواجهة التصعيد غير المتوقع في سوريا وليبيا وأوكرانيا وأفغانستان والبوسنة والهرسك، لكن الحفاظ على الخطة البناءة سيكون له الأولوية في الأشهر المقبلة.

ومن المؤكد أن إدارة حزب العدالة والتنمية لن تعود إلى استراتيجيات السياسة الخارجية لعقدها الأول ما بين عامي 2002-2013، ويرجع ذلك أساساً إلى التحديات الأمنية المتراكمة التي لم يتم حلها. بينما سيستمر الأمن في رأس قائمة السياسة الخارجية لحكومة الحزب الحاكم، ولكن مع اتباع أجندة تطبيع بناءة أكثر، ما لم تكن هناك تحديات نظامية وإقليمية غير متوقعة.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.