رحلة قطر من الماضي إلى الحاضر

إسطنبول
نشر في 18.06.2017 00:00
آخر تحديث في 13.11.2017 20:36
رحلة قطر من الماضي إلى الحاضر

هذه هي قصة قطر، التي تحاول أن تصبح فاعلا سياسيا قويا في الشرق الأوسط في حين أنها كانت مجرد منطقة صغيرة تحت الحكم العثماني قبل 100 سنة.

جاء فرع آل خليفة في بني عتوب من قبيلة تعيش بين نجد والكويت في عام 1766 واستقروا في شبه الجزيرة غير المأهولة في قطر. وقاموا بإنشاء رصيف الزبارة وبدؤوا بصيد اللؤلؤ.

في الواقع، كانت مهنة صيد اللؤلؤ، المهنة الأكثر شعبية في الخليج، وحتى اليوم، يقوم العديد من الشباب بالغوص العميق مع أنبوب بسيط في محاولة لاستخراج المحار، وكسب الرزق بهذه الطريقة.

أصبح الأمر مصدر إلهام لملحن الأوبرا الفرنسي الشهير جورج بيزيه الذي ألف معزوفة "لؤلؤة الصيادين" الرومانسية والتي هي واحدة من الألحان المشهورة عالميا، تيمنا بها.

كلمة "قطر" هي كلمة باللغة العربية وتعني "نقطة\قطرة". أعطي هذا الاسم للجزيرة العربية في الماضي لأن المنطقة كانت مطيرة نسبيا. ومع ذلك، فإن مسمى "القطارة" الذي لازم المنطقة في العصور القديمة يبدو أكثر معقولية أنه يأتي من "الجوادر" وهو ما يعني "مكان عاصف" باللغة الهندية.

كما استقر فرع آل خليفة في البحرين. وهناك، أطاحوا الأسرة الحاكمة آنذاك آل مذكور. وهزموا الإيرانيين الذين يريدون السيطرة على الجزيرة. كما أن شعب قطر مرتبط أيضا بالبحرين.

عائلة صباح في الكويت هي أيضا من قبيلة عنِزة. عرف آل خليفة بالغنى لأنهم امتهنوا التجارة، ومن ثم اكتسبت العائلة السلطة على الأرض، تاريخ هذه العائلة هو تاريخ قطر الحديثة.

وقد تعاقب على حكم قطر اثنا عشر أميرا، منذ أول حاكم من أسرة آل ثاني. وقد حل الأمير تميم، الذي يعد واحدا من أكثر قادة العالم وسامة، محل والده الأمير حمد الذي تخلى عن الحكم في عام 2013. والواقع أن الانقلابات في القصر الأميري القطري هي أكثر شيوعا، لكن الشيخ حمد لم ينتظر ذلك.

الأمير تميم، الذي صعد العرش في سن الـ 33، ودرس في الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست في المملكة المتحدة مثل والده. شغل منصب نائب رئيس الأركان العامة. إضافة إلى مناصبه تلك، شغل الأمير تميم مناصب شعبية إذ ترأس اللجنة الأولمبية القطرية. وهو أيضا زعيم شرقي بـ 9 أطفال من 3 زوجات من ناحية أخرى.

لقد كان الأتراك السلاجقة يهيمنون على قطر في القرن الحادي عشر. وكانت المنطقة مرتبطة بسلطنة عمان في العصور الوسطى. حيث هيمن العثمانيون الذين هزموا البرتغاليين في القرن السادس عشر على قطر. ولكن بسبب السياسة العثمانية، تركت الإدارة للشيوخ المحليين. في بداية القرن التاسع عشر، بدأت ملامح احتلال وهابي هناك. وعندما تم قمع الثورة الوهابية في عام 1818، عادت الهيمنة العثمانية إلى قطر. وقد يعد هذا أيضا بمثابة بداية الصراع بين آل خليفة و آل سعود، الذين ما انفكت أعينهم تراقب قطر.

الصراع بين البحرين، التي أرادت الاستيلاء على شبه الجزيرة بدعم من عائلة سعود، ودولة قطر تحولت إلى حرب في عام 1867. أدت إلى هزيمة شعب قطر، واحتلت القوات البحرينية، بدعم من البريطانيين المنطقة "قطر". أدت عمليات القرصنة البحرية في منطقة الخليج إلى انزعاج البريطانيين، ما دفعهم إلى زيادة نفوذهم فيه، وأجبروا البحرين على دفع ضرائب لقاء حماية المنطقة.

وإذ يساورها القلق إزاء هذا التطور، استقرت القوات العثمانية في قطر في عام 1871. وتم تعيين الشيخ جاسم بن محمد، الذي طلب المساعدة من العثمانيين ضد البريطانيين، كـ "حاكم المنطقة". وأدى التهديد الوهابي البدوي من جهة، والتهديد البريطاني من جهة أخرى، إلى دفع العثمانيين لإقامة مقار في الدوحة وتسليحها.

في بداية القرن العشرين، كانت قطر بلدة مرتبطة بـ أحساء سنجق من محافظة البصرة في الإمبراطورية العثمانية. وكان المركز أيضا بلدة البدع. ومع ذلك، فإن الهيمنة العثمانية، التي لم تتجاوز الدوحة، لم تدم طويلا.

فقد هزم الجنود العثمانيون من قبل قوات الشيخ في المعركة التي وقعت في عام 1893 بسبب السلوكيات الذاتية للشيخ جاسم. وأعلن السلطان عبد الحميد الثاني، في مناورة دبلوماسية، أنه غفر عن الشيخ جاسم وكفل عودة الدولة السابقة.

حدث شيء مثير للدهشة بعد بضع سنوات. تنازلت جمعية تركيا الفتاة، الذين تولوا السلطة في الإمبراطورية العثمانية، عن جميع حقوقهم في قطر في 29 يوليو 1913، لصالح المملكة المتحدة مع أمل الحصول على دعم لندن. في أغسطس 1915، غادرت الوحدات العثمانية قطر دون إطلاق رصاصة واحدة.

استقر البريطانيون في شبه الجزيرة تلك، وفي 3 نوفمبر 1916، أصبحت قطر مستعمرة بريطانية خالصة. وتم إنشاء نظام استعماري يشبه حكم دولة الإمارات العربية المتحدة.

عندما اكتشف النفط في عام 1939، ازدادت أهمية قطر الإستراتيجية. وفي عام 1971، حصلت البلاد على استقلالها. وكان قد رفض في السابق اقتراح يقضي بأن تصبح قطر جزءا من دولة الإمارات العربية المتحدة حتى لا تكون تحت السيطرة السعودية.

ومن بين السكان البالغ عددهم 2،5 مليون نسمة، هناك 400 ألف فقط من القطريين. أما الباقون فهم أجانب قادمون إلى البلاد لأغراض العمل. إنهم يعيشون حتى دون مغادرة مواقع البناء الضخمة. أعداد كبيرة من الهنود يعملون في الدولة، إنك لن تشعر وكأنك في بلد عربي.

المياه شحيحة في قطر، وتتم فيها معالجة مياه البحر لتصبح صالحة للاستخدام فيما بعد. تحتوي قطر على 1٪ من احتياطيات النفط العالمية. وعلى مدى السنوات الـ 20 الماضية، اكتشفت أكبر احتياطيات للغاز الطبيعي في العالم فيها ما زاد من أهمية البلاد. وتحولت مدينة الدوحة من قرية صيد صغيرة كما في السابق لتصبح الآن مدينة حديثة يبلغ عدد سكانها 500،000 نسمة. ونظرا إلى انخفاض المخاطر والتكاليف، فإن البلاد جاذبة للاستثمارات التجارية والمالية بشكل كبير.

ينتشر المذهب الوهابي على نحو واسع في قطر، على الرغم من أن عائلة الشيخ تعتنق مذهبا سنيا مالكيا.

ويتشكل البرلمان القطري من 45 شخصا، يتم انتخاب ثلثي الأعضاء، فيما يعين الأمير الثلث الأخير، بينما ينفرد الأمير وعائلته بالدور السياسي للبلاد.

في هذا البلد الحار جداً، يعيش الناس تحت تكييف الهواء في الأماكن المغلقة. الشعب القطري بالكاد يعمل. هناك قول مشهور في قطر: "لماذا يجب عليّ أن أعمل شيئا يمكن لشخص آخر أن يفعله؟ ولماذا يجب أن أفعل شيئا لا يمكن لأحد آخر القيام به؟"

مساحة قطر صغيرة جدا، ولكنها تعد واحدة من أغنى البلدان في العالم على الإطلاق، بمتوسط دخل قدره 127،000 دولار للفرد ونسبة البطالة تقريبا صفر. لقد كان هذا البلد من الأكثر فقرا في القرن الماضي، لكنه يلعب دورا ناشطا في سياسة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة. هناك قاعدة أمريكية هامة في البلاد. وقد عرفت قطر الآن في جميع أنحاء العالم في السنوات الأخيرة بفضل قناة الجزيرة الإخبارية.

يذكر أن البلاد على خلاف مع البحرين على عدد من الجزر فى خليج البصرة لسنوات. وكان دعمها لبعض الجماعات مثل الإخوان المسلمين وحماس، فضلا عن العلاقات الوثيقة مع إيران، يجعلها على حافة مقعدها من الجامعة العربية والولايات المتحدة. لهذا السبب، حدث شيء غير متوقع، إذ قامت بعض الدول العربية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، مما تسبب في ظهور أزمة سياسية.

يذكر أن قطر، التي كانت علاقاتها الاقتصادية في معظمها مع أوروبا، وضعت أمام الولايات المتحدة من قبل جامعة الدول العربية ككبش فداء. ولا تريد الولايات المتحدة من قطر، التي لديها أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، أن يكون لها رأي في هذا السوق. وإلا ماذا يمكن أن يحدث إذا كانت دولة صغيرة مثل قطر تدعم الإرهاب! ويبدو أن هذه الحادثة هي لعبة القوى العالمية التي تحاول إعادة العالم إلى دولة القطبين التي يسيطر عليها الأنجلو-أمريكان من جهة، والروس من جهة أخرى.