الأسطول العثماني.. ميراث خير الدين باشا بربروس

ديلي صباح
إسطنبول
نشر في 24.05.2019 14:43
آخر تحديث في 24.05.2019 14:49
قطع بحرية تركية مشاركة في مناورات الوطن الأزرق (الأناضول) قطع بحرية تركية مشاركة في مناورات "الوطن الأزرق" (الأناضول)

تحولت الإمبراطورية العثمانية إلى لاعبٍ مهمٍ على المسرح العالمي بعد أن أصبحت قوة بحرية كبيرة في القرن السادس عشر الميلادي. وقد أثبت أسطولنا البحري الذي رفع علمنا خلال مناورات "الوطن الأزرق" البحرية الأخيرة التي جرت في بحر إيجه والبحر الأسود والبحر المتوسط، أنه يتبع خطى "خير الدين باشا بربروس"، بأن رفعت السفن الحربية المشاركة التحية العسكرية لقبره أثناء عبور مضيق البوسفور عند نهاية المناورات.

يعتقد الكثيرون أن البحر لم يلعب دوراً مهماً في تاريخنا، وأن الأتراك كانوا ميالين إلى تجنب البحر عبر التاريخ. تستند هذه الافتراضات إلى نقص البحوث حول التاريخ البحري التركي. ومع ذلك، فقد أثبتت الأبحاث التي أجريت والأطروحات المختلفة التي يشرف عليها "إدريس بستان"، وهو باحث بارز في التاريخ البحري العثماني، أن تاريخنا البحري قد تم إهماله وأن جزءاً كبيراً منه لا يزال تحت البحث.

الملاحة البحرية:

بدء الأتراك باكتساب المعرفة بالملاحة البحرية على شواطئ الأناضول الغربية، حيث اتخذ "أمير تشكا بيه" الخطوات الأولى في الملاحة. بعده، برزت إمارات تركية في غرب الأناضول مثل "آيدن أوغولاري" و"قراصي أوغولاري" و"منتشة أوغولاري"، في الملاحة البحرية، علماً أن الملاحة البحرية العثمانية نفسها كانت قائمة على تقاليد ما عرف باسم "غزاة البحر" (sea-ghazis) في غرب الأناضول، الذين ظهروا أوائل القرن الرابع عشر. ثم انخرطت الإمبراطورية العثمانية التي تأسست كقوة برية، في العمليات البحرية لغزوها تلك الإمارات وتجنيدها بحارتها وأساطيلها.

في عهد بايزيد الأول، تم اختيار "غاليبولي" كموقع للقاعدة البحرية العثمانية وحوض بناء السفن. ثم أطلق السلطان محمد الفاتح عمليات في البحر المتوسط ​​والبحر الأسود بعد فتح القسطنطينية. أما بايزيد الثاني، فكان يوظف القراصنة الأتراك العاملين في منطقة البحر المتوسط ​​في خدمة الدولة ووسع البحرية. ووسع السلطان سليم الأول حوض بناء السفن الإمبراطوري في إسطنبول.

بحلول عهد سليمان القانوني، كان العثمانيون قد أصبحوا بالفعل أقوى قوة برية في أوروبا، لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق هذا النجاح في البحر.

سلاطين البحار:

خلال عهد بايزيد الثاني وسليم الأول، توسعت البحرية العثمانية من حيث عدد السفن، فتم توسيع أحواض بناء السفن الموجودة آنذاك، وبناء سفن جديدة. وكانت الخطوة التالية هي توظيف البحارة ذوي الخبرة في البحرية العثمانية.

عندما دعا سليمان القانوني خير الدين باشا بربروس، والي الجزائر الذي دخل في خدمة الدولة العثمانية في عهد والده سليم الأول، إلى إسطنبول، وعينه قائدًا للأسطول العثماني عام 1534 ومنحه لقب وزير، أصبحت البحرية العثمانية أقوى قوة بحرية في البحر المتوسط. وقد حقق سليمان الأول بذلك نقطة تحول في تاريخ البحرية العثمانية.

صُنفت القوات البحرية العثمانية كولاية تحت اسم "ولاية جزائر البحر المتوسط" (ایالت جزایر بحر سفید Cezayir-i Bahri Sefid)، تحت قيادة قائد بحرية كان له واجبات إدارية وعسكرية.

عام 1538، انتصر بربروس على أسطول التحالف المسيحي بقيادة "أندريا دوريا" في معركة بريفيزا (Preveza).

بفضل قواتها البحرية القوية، استطاعت الدولة العثمانية مساعدة الدول الإسلامية في الهند والشرق الأقصى، وضمان الأمن البحري للأغراض التجارية والدينية.

جاء في نقش بندر الشهير المؤرخ عام 1538 أن سليمان القانوني سلطان "يرسل أساطيله إلى بحار أوروبا وبلاد المغرب والهند".

وصل الأسطول العثماني إلى ذروة قوته في البحر المتوسط ​​بعد انتصاره في معركة جربة عام 1560، ثم فتحت قبرص بعد فترة وجيزة بفضل تلك السيطرة البحرية.

وهكذا أصبح السلاطين العثمانيون يُعرفون باسم "سلاطين البحار".

وقد توغلت البحرية العثمانية المتمركزة في ثلاث ولايات في شمال أفريقيا، طرابلس الغرب والجزائر وتونس، خارج البحر المتوسط ​​ونفذت غزوات في المحيط الأطلسي.

توفي "الباشا خير الدين بربروس" في 5 يوليو 1546. وسجلت وفاته في التاريخ بعبارة "مات قبطان البحار". دفن في ضريح شيدت له بجانب مدرسة كان بناها في بشيكطاش وهو في قيد الحياة. وقد طلب أن يدفن هناك، بالقرب من الميناء الذي اعتاد الأسطول العثماني أن يبحر منه، فلا يكون بعيداً عن بحره المحبوب وسفنه حتى بعد الموت. ومن عادة قطع البحرية التركية الرسو قبالة ميناء خير الدين بربروس في بشيكطاش قبل مغادرتها إسطنبول، ثم تبحر إلى وجهتها.

بعد الانتهاء من مناورات "الوطن الأزرق" في البحر الأسود، قامت مجموعة من السفن الحربية التركية بتحية قبر بربروس، الأميرال الكبير الأسطوري، من خلال إطلاق صوت البوق ثلاث مرات أثناء عبور مضيق البوسفور قبالة ساحل بشيكطاش، مع وقوف جميع أفراد الطاقم على سطح السفينة.

لقد أعادت قواتنا البحرية إحياء هذا التقليد بعد توقف طويل وسوف تستمر في تطبيقه من الآن فصاعداً أيضا. وقبر القائد بربروس، الذي كان مفتوحاً للزوار نصف يوم في الأسبوع، بات مفتوحاً الآن لمدة خمسة أيام في الأسبوع بفضل توجيه جديد من القيادة البحرية.