محمد الشنقيطي: "درع الفرات" ثمرة تحرر تركيا من الضغط الأمريكي والابتزاز الأوروبي

وكالة الأناضول للأنباء
الدوحة
نشر في 29.08.2016 14:04
آخر تحديث في 29.08.2016 14:19
د. محمد الشنقيطي (وكالة الأناضول للأنباء) د. محمد الشنقيطي (وكالة الأناضول للأنباء)

قال د. محمد الشنقيطي، المفكر الإسلامي وأستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة "حمَد بن خليفة" في قطر، إن عملية "درع الفرات" هي ثمرة "تحرر تركيا من الضغط الأمريكي والابتزاز الأوروبي".

ووصف "الشنقيطي" في حوار وكالة الأناضول للأنباء، العملية العسكرية التركية في شمالي سوريا (درع الفرات) ببداية "تحول استراتيجي (تركي) عميق، فهو ثمرة من ثمار فشل الانقلاب الأخير".

وكانت وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي قد أطلقت بالتنسيق مع القوات الجوية للتحالف الدولي، فجر الأربعاء الماضي، حملة عسكرية في مدينة جرابلس، تحت اسم "درع الفرات"، تهدف إلى تطهير المدينة والمنطقة الحدودية من المنظمات الإرهابية، بخاصة من تنظيم "داعش" الذي يستهدف الدولة التركية ومواطنيها الأبرياء.

وأضاف المفكر الإسلامي، في معرض حديثه عن عملية "درع الفرات": "لقد تحررت القيادة السياسية التركية بعد الانقلاب الفاشل من سطوة الدولة العميقة والكيان الموازي الذي كان يقيِّد يدها داخل الجيش، كما تحررت من القيود الغربية، فلم تَعُدْ يهمُّها الضغط الأمريكي والابتزاز الأوروبي".

ومضى موضحاً: "هكذا لم تعُدْ تركيا تتعامل مع الملف السوري بمنطق إنساني فقط، كما كان الحال خلال السنوات الخمس الماضية، وإنما أصبحت تتعامل معه بمنطق استراتيجي يتناسب مع مصالحها ومكانتها وقوَّتها، وما تتوقعه منها الشعوب الإسلامية في كل مكان".

ولفت "الشنقيطي"،: "كنت أقول دائماً إن تركيا ستدخل الحرب السورية أو أن الحرب السورية ستدخل تركيا، وكنت أدعو أن لا تؤخذ تركيا على حين غرَّة، والحمد لله أن تركيا أخذت زمام المبادرة الآن فتدخلت، ولم تنتظر حتى يجتاحها الحريق داخل حدودها أو يفرض عليها الأعداء العزلة والانكفاء من خلال حصارها بكيانات مصطنعة، تقطعها عن امتدادها الجغرافي والتاريخي، مثل مشروع الدولة الكردية في شمال سوريا".

ورأى المفكر الإسلامي أن الحضور العسكري التركي داخل سوريا وتقوية تركيا لقوات الجيش السوري الحر يخدم الحل السياسي "لأنه سيضع بيد تركيا أوراق ضغط قوية تدعمها الوقائع الصلبة على الأرض، وأقصد بالحل السياسي هنا رحيل السفَّاح بشار الأسد، وبناء دولة سورية جديدة، ديمقراطية وغير طائفية. فهذا هو الحل الذي يستحقه الشعب السوري ثمنا لتضحياته الكبيرة، ويستحقه الشعب التركي الذي تحمَّل من آثار الحرب في سوريا بكل سخاء ما لم يتحمله شعب آخر".

وتطرق الشنقيطي إلى تنظيم داعش الإرهابي قائلاً: "إن التنظيم سيفقد السيطرة الجغرافية والبِنْية التنظيمية قريباً، لكن ستبقى كأيديولوجيا عابرة للحدود، وربما تتحول إلى ظاهرة عالمية، بعد أن تفقد السيطرة على الأرض في سوريا والعراق وليبيا. لكنها في كل الأحوال لن تتلاشى تماما في الأمد المنظور".

واعتبر أن داعش مجرد عرَض لمرض عميق، وهو "الاستبداد الداخلي والاستعباد الخارجي، فالتنظيم رَدَّة فعلٍ همجية على الهمجية المسلَّطة على شعوبنا، والمفتاح للقضاء النهائي على هذه الظاهرة هو وقْف هذه الهمجية والمعاناة التي تعانيها الشعوب الإسلامية، وبناء أنظمة سياسية ديمقراطية، تحترم إرادة الشعوب وإنسانية الإنسان".

ورأى الشنقيطي أن تركيا هي "الدولة الوحيدة المؤهلة" اليوم لأن تكون "المركز" في العالم الإسلامي، تقوده وتضبط خلافاته الداخلية، وتفاوض القوى الكبرى نيابة عنه، لكن تركيا كانت تعيش إلى عهد قريب تمزقاً في الهوية والاختيار.

وأوضح أن المحاولة الانقلابية الأخيرة هي "آخر آلام التمزق في الذات التركية" قائلاً إن "فشل الانقلاب، وتخلص الشعب التركي من الدولة العميقة والكيان الموازي، حرر تركيا من هذا التمزق إلى حد كبير".

واعتبر المفكر الإسلامي أن تركيا ستنطلق من الآن فصاعداً من دون عوائق ذاتية أو خارجية كبيرة، وستكون هي "القاطرة" التي تقود العالم الإسلامي في معركة الحرية والتنمية، قبل أن يضيف: "ستبقى بعض المكائد الخارجية طبعا، لكن هذه المكائد تم تجريدها من أدواتها المحلية، فلم تعد خطيرة كما كانت في الماضي".

وفي معرض حديثه عن تنظيم "فتح الله غولن" الإرهابي قال "الشنقيطي": إن غولن لديه آراء "دينية عنصرية غريبة على عقائد الإسلام وتراثه"، لكن السرية الشديدة التي تعمل بها الجماعة جعلت اطلاع الناس على آرائه الدينية وارتباطاته بأمريكا صعب للغاية. وكثير من أتباعه الذين يحسنون به الظن "مخدوعون" فيه، لأنه لا يكشف لهم عن خبايا فكره وارتباطاته.

ووصف تنظيم "غولن" الإرهابي بأنه تحول إلى "أداة دينية في يد أمريكا للتحكم في تركيا"، بعد أن أصبح التحكم في تركيا بأدوات علمانية غير ممكن، فجماعة "غولن" ببساطة هي استثمارٌ سياسي وأمني أمريكي للتحكم في تركيا، ومنْعها من الازدهار واستقلال القرار وقيادة العالم الإسلامي.

وتابع: بعد أن هزم الشعب التركي الانقلابات المتسترة بستار العلمانية بدأت أمريكا تحاربه بالانقلابات المتسترة بستار الدين، لكن هذا الشعب الشجاع تجاوز مرحلة الوصاية، ولن يتحكم فيه أحد بعد اليوم، سواء باسم الدين أو باسم العلمانية.

وشددً "الشنقيطي" على ان فشلُ الانقلاب العسكري في تركيا أعطي "دفعة معنوية هائلة" للشعوب العربية الساعية إلى تحقيق العدل والحرية، وأثبت أن الشعوب قادرة على الانتصار على المستبدين إذا تزودت بالإيمان والشجاعة.

وفي إطار الحديث عن موقف الغرب من المحاولة الانقلابية الفاشلة، أوضح "الشنقيطي" أن الغرب يعادي في العالم الإسلامي أربعة أمور وهي: الإسلام، الحرية، القوة العسكرية، واستقلال القرار السياسي؛ وكل ما سوى ذلك تفاصيل، مضيفاً: من هذا المنطلق لا أستغرب بأنه كلما تقدمت تركيا في استرجاع هويتها الإسلامية، وحققت الحرية والقوة واستقلال القرار، زادت عداوة الغرب لها.

وشددً على أن أهم ما تحتاجه تركيا حالياً هو "تصفية الدولة العميقة والكيان الموازي"، والتخلص من كل امتداد أجنبي داخل مؤسساتها السيادية، لكي تحقق الاستقلال التام لقراراتها السياسية وخياراتها الاستراتيجية، فتصبح الدولة مرآة للشعب، لا كيانا متعالياً عليه.

وختم المفكر الإسلامي، حواره، بالقول: دائماً أقول إن "صداقة أمريكا قد تكون أخطر على تركيا وعلى بعض الدول العربية من عداوة روسيا، فروسيا إن عادت أي دولة في المنطقة فهي عدوٌّ ظاهر، والخلاف معها يتعلق بمصالح محددة واضحة، أما أمريكا فهي تعادي حرية شعوبنا، واستقلال دولنا ومكانة أمتنا الإسلامية في العالم".