يا صاحب الظل الطويل

سميحة خليفة
اسطنبول
نشر في 31.08.2016 15:56
آخر تحديث في 31.08.2016 16:08

لا تزال الظلال الطويلة للأجسام المنعكسة على الأرض تذكرني بقصة "جودي أبوت" تلك الطفلة البريئة التي كنا نتمى لها نحن الصغار عمراً طويلاً وحياة سعيدة مع الشخصية الغامضة "صاحب الظل الطويل" في الفيلم الكارتوني ـربما المدبلج ـ الذي كان يحمل عنواناً بصفة الشخصية نفسها.

كنا صغاراً، وكنا ننظر إلى كل شيء يكبرنا حجماً بعين الدهشة... في ذلك الزمن القديم الصافي حيث كانت الطفولة أغنية جميلة نرددها دون ملل أو خوف من الوقوع تحت وطأة أحد؛ كنت أركض كل مساء عائدة إلى البيت بعد دوام دراسي لطالما فاح بالبراءة، ثم أجدني متربعة بمئزر المدرسة أمام شاشة التلفاز لأشاهد الرسوم المتحركة بعد ما فاتني منها القليل. كنت وإخوتي نشكل نصف دائرة أمام شاشة التلفاز لنشاهد السويعة الوحيدة المخصصة للأطفال في تلك الفترة. و كانت بطلة القصة "جودي أبوت" شغلنا الشاغل، نبكي لبكائها ونفرح لفرحها ونحاول بجد معها أن نكتشف الشخصية الغامضة التي ما كنا نرى منها إلا ظلالاً طويلة تغطي المدى... من أنت ومن تكون... أجبنا من تكون يا صاحب الظل الطويل؟

حينما أختفت آثار الطفولة فينا صرنا ندرك الغموض في أمور أخرى، في أمور كثيرة تتعدى الظلال. بالنسبة لي، صرت أراه مثلاً في الفكرة حيث تعود إلى خاطري الأدوار التي كانت تُجسَد من خلال الأفلام الأمريكية، وما كانت تأتي به قصصهم الواقعية أحياناً والخيالية أحياناً أخرى... خيالية نعم، حد الخرافة. ولعل من أبرز الحالات التي كانت تثير فيَّ الفضول هي التصوير الخلفي لشخصية غارقة في الغموض، عادة ما تكون مشبعة بلكنة "غير أمريكية" مفتعلة، بالإضافة إلى معطف طويل وقبعة من نوع خاص، دون أن ينسى صاحب الدور اصطحاب مظلة يكتفي باستعمالها مكان العكاز. لا عيب في الأمر كله، إلا أن موقع الكاميرا حيال ذلك الشخص يولد فيك رغبة زائدة في الحصول على أجوبة... من يكون؟ من أين أتى؟ ولماذا قد يكون ميالاً للعنف؟ وبعد النمطية التي تعتادها في السرد من خلال أفلامهم الكثيرة المتشابهة التي غالباً ما تنتهي بقضاء البطل الهوليودي على كل تهديد خارجي، تدرك أن الرسالة الأصلية لا تنتهي بانتهاء الفيلم وإنما هي طويلة المدى، سينماسياسية؛ فأمريكا البطل تعرف دائماً كيف تحافظ على سلامتها، وتَعرِف جيداً مَن خلف ظِلاله مهما كانت طويلة.

لنعُد قليلاً إلى الساحة الفنية التركية، فبمسح بسيط على ما يتم حالياً عرضه من أفلام ومسلسلات، خاصة التاريخية منها، ندرك الفرق بين السعي وراء إظهار الحقائق من خلال سرد للتاريخ لماضي مُعاش، وبين الحاجة إلى خلق شخصية غامضة تحيا من خلالها بقية الأحداث وعليها تعتمد كل تفاصيل الفيلم. طبعا لا حاجة هنا إلى التذكير بالتاريخ العثماني، بساحة المعركة التي كتب عليها بالدم العثماني ما لا يحصى من الانتصارات والفتوحات. إنه التاريخ والفيلم في نفس الآن، فيلم لا يعرف للزمن نهاية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، مسلسل "دريليش أرطغرول" الذي يروي أحداث قيام الدولة العثمانية، أو ألق نظرة على "فيلنتا" الذي يروي بدوره الأحداث السياسية في الفترة الأخيرة من الحكم، وانظر إلى مسلسل "يونس أمره" وما يأتي به من تفاصيل عن ماهية الوجود وعن علاقة البشر به وبالخالق.

صحيح أن بعض القنوات التركية، خاصة غير الحكومية منها، تواصل صرف أموال طائلة لإنتاج نمط معين من الأفلام أو المسلسلات التي نادراً ما تحاكي المجتمع و نادراً ما تعكس حقيقته للعوالم الأخرى، خاصة المهتمة منها بالثقافة التركية وأسلوب الحياة فيها. ربما دعماً لأفكار دخيلة ليست بالضرورة نابعة من قلب المجتمع، ربما لملئ فراغ فني، وربما وهذا الأرجح لأن الجهة الداعمة لمثل هذه الأعمال تشترط حين دعمها للمشاريع تزيين الغشاوة التي تخفي أصالة المجتمع غاية في أن يخسر رصانته أو مثلاً ـدون أن يلاحظ أحد ذلك- أن يُزرع فيه الفساد... لسوء الحظ مثل هذه المحاولات تنجح وإلى حد بعيد في دمج المُشاهد بنوع من السلاسة والطوعية داخل حياة جديدة ومغرية نعم، ولكنها تظل مفبركة.

أما القنوات الحكومية فهي على عكس ذلك تماماً؛ فهي تحاول رسم منهجية ثابتة المعايير والأهداف لتجعل من صناعة الأفلام قضية؛ قضية اجتماعية وأخلاقية، ولما لا سياسية أيضاً ما دام الإنتاج التلفزيوني/ السينمائي وسيلة لإيصال الرسالة لجميع الأطراف. في الفترة الأخيرة من استلام حزب العدالة والتنمية للحكم، صارت القناة الوطنية TRT مركزاً ليس فقط للمحترفين وإنما للمبتدئين أيضاً، باتت القناة مكاناً لتنمية القدرات والخبرات من خلال مسابقات عديدة تفتح المجال لمنافسة شريفة، تنتهي بمشروع مميز تسهر أطراف عديدة على إخراجه للنور. ولأن الفنون قوة والإعلام أيضا قوة، تعمدت الحركة الانقلابية الشهر الماضي قطع بث العديد من القنوات لتغطي على ماهية الخبر ولتضعف وسيلة نشره. لأن العدو يدرك تماماً الدور الجبار الذي تؤديه وسائل الإعلام والاتصال في كل بقاع العالم، كما يدرك أيضاً أن في تركيا ظلال طويلة لشخصية غامضة، إلا أنها ظاهرة للعيان منذ أكثر من عقد، تتحدث بصراحة وتدافع عن شعبها بشدة بل بكل ما تملك، بالنفس والنفيس.