لماذا يجب على تركيا أن تتحول إلى النظام الرئاسي؟

عامر سليمان @amerfuatfuat
إسطنبول
لماذا يجب على تركيا أن تتحول إلى النظام الرئاسي؟

مع اقتراب موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، تزداد حدة النقاش بين الأطراف المؤيدة والمعارضة، كما يزداد الجدل في الشارع التركي وفي الإعلام حول التعديلات الدستورية وتأثيرها على مستقبل البلاد، سواء بالسلب أو بالإيجاب. إذ يسعى كل طرف لإثبات صحة وجهة نظره. فالمعارضون للتعديلات الدستورية أو بمعنى أدق المعارضون لفكرة النظام الرئاسي يحاولون إقناع الشارع التركي بأن هذه التعديلات ستؤدي إلى ميلاد ديكتاتور يتحكم في كل مؤسسات الدولة كيفما أراد، مما يشكل خطراً على مستقبل البلاد. بينما المؤيدون يرون أنها ستساعد في إطلاق يد الحكومة لتحقيق مزيد من الإنجازات والإصلاحات، إذ ستحدد صلاحيات ومسؤوليات كل سلطة على حدة، وتخلص البلاد من الأزمات التي دائماً ما نشبت بسبب تضارب السلطات والصلاحيات ومن ثم يعد النظام الرئاسي مهماً من أجل مستقبل أفضل للبلاد.

وتشكل الحملات الدعائية التلفزيونية الجانب الأهم والأكثر تأثيراً في هذا النقاش. وبينما يركز الجناح المعارض في حملته الدعائية على أسلوب التخويف و"التضليل المتعمد" مطالباً الناخبين بالتصويت بـ"لا" من أجل مستقبل أطفالهم، محاولاً إيهام الناخبين بأن النظام الجديد سيجعل رئيس الجمهورية هو المتحكم في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو وحده صاحب الكلمة العليا في كل شؤون الدولة، يركز الجناح المؤيد للتعديلات الدستورية في حملاته على توضيح المشاكل التي عانتها تركيا على مدار العقود الماضية بسبب نظام الحكم الحالي.

لذلك نرى من الضروري توضيح بنية النظام القائم حاليا في تركيا والأزمات التي يمكن أن تحدث أو التي حدثت بالفعل بسبب بعض مواطن القصور في بنية النظام البرلماني الذي تتبعه تركيا حالياً.

بداية يجب إلقاء الضوء على صلاحيات رئيس الجمهورية وفق الدستور التركي المعمول به حاليا (وضع عام 1982 بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد عام 1980)

يمنح الدستور التركي –حسب المادة الـ 104- رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة أشبه بالصلاحيات الممنوحة للرئيس في الأنظمة الرئاسية. منها على سبيل المثال لا الحصر:

تعيين رئيس الوزراء وقبول استقالته

تعيين وفصل الوزراء بناء على توصية رئيس الوزراء

تعيين ممثلي الدولة بالخارج وقبول أوراق اعتماد ممثلي الدول الأجنبية في البلاد

تعيين رئيس أركان القوات المسلحة

اتخاذ قرار استخدام القوات المسلحة

دعوة مجلس الأمن القومي للانعقاد، وترؤسه

إعلان حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية في البلاد بناء على توصية مجلس الأمن القومي

التصديق على المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الخارجية

دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وترؤسه إذا اقتضت الحاجة

تعيين أعضاء ورئيس مجلس الرقابة على القطاع العام

اختيار أعضاء مجلس التعليم العالي

دعوة البرلمان للانعقاد

الدعوة إلى استفتاء شعبي بخصوص إجراء تعديلات دستورية

اتخاذ قرار إعادة الانتخابات البرلمانية

تعيين أعضاء المحكمة الدستورية، وربع أعضاء مجلس الدولة، والمدعي العام ونائبه، واختيار أعضاء محكمة النقض العسكرية، وأعضاء المحكمة الإدارية العسكرية العليا، وأعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.

جرى العرف في تركيا أن يكون رئيس الجمهورية فخرياً لا يمارس أياً من صلاحياته التي يمنحه إياها الدستور وذلك بسبب أنطمة الوصاية التي كانت تهيمن على الحياة السياسية في تركيا، وبسبب كون الرئيس منتخباً من قبل أعضاء البرلمان وليس من قبل الشعب مباشرة. لذلك كان رئيس الوزراء هو المخول باستخدام تلك الصلاحيات وهو من يتحمل المسؤولية السياسية أمام الشعب.
إلا أنه على مدار تاريخ الجمهورية التركية حدث العديد من الخلافات التي تحولت إلى أزمات ألقت بظلالها على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد.

الخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء

كانت أولى تلك الخلافات في بداية العهد الجمهوري بين مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك و"رفيق دربه" عصمت إينونو انتهت بتقديم الأخير استقالته في أكتوبر/تشرين الأول 1937.

أيضاً أثرت الأزمة بين رئيس الوزراء سليمان دميرال ورئيس الجمهورية آنذاك فخري قوروتورك على الحياة السياسية التركية وامتد تأثيرها لفترات طويلة. وبدأت الأزمة حين اختلف الطرفان على تعيين قائد القوات البرية بالجيش وهو منصب له أهمية خاصة إذ يعد تمهيداً لتولي منصب رئيس الأركان. وكان هناك مرشحان اثنان لتولي المنصب، أصر كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على تعيين مرشحه هو وهدد كل منهما بالاستقالة حال لم يتم تعيين المرشح الذي يراه هو مناسباً وانتهت الأزمة بإحالة المرشحين إلى التقاعد وتعيين قائد جيش منطقة إيجة الفريق أول كنعان أفرن في منصب قائد القوات البرية مما مهد له الطريق بعد ذلك لتولي رئاسة الأركان وقيادة انقلاب 1980 الذي أطاح رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء معاً وأثر على الحياة السياسية في تركيا تأثيراً لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا متمثلاً في الدستور الذي وضعه الانقلابيون عام 1982، والذي تدار به البلاد حالياً.

من الخلافات الأخرى التي حدثت بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء خلاف بين رئيس الوزراء سليمان دميرال ورئيس الجمهورية طورغوت أوزال والذي وصل إلى درجة تبادل السباب والشتائم وفي سابقة هي الأولى من نوعها رفع رئيس الجمهورية قضية تعويض على رئيس الوزراء وحُكم عليه بدفع مبلغ (10 ملايين ليرة) كتعويض معنوي.

ولكن تبقى الأزمة الناجمة عن الخلاف بين رئيس الجمهورية العاشر أحمد نجدت سيزر ورئيس الوزراء بولنت أجاويت عام 2001 هي أكبر أزمة محفورة في أذهان الشعب التركي، إذ تسببت في حدوث أكبر أزمة اقتصادية عصفت بالبلاد.
وحدثت الأزمة حين ألقى رئيس الجمهورية بكتيب الدستور في وجه رئيس الوزراء خلال اجتماع مجلس الأمن القومي بسبب خلاف حول الصلاحيات الدستورية. بعد ذلك عقد رئيس الوزراء مؤتمراً صحفياً أعلن فيه وجود أزمة في إدارة الدولة لتبدأ بعدها أكبر أزمة اقتصادية في تاريخ الجمهورية إذ انخفض مؤشر البورصة 14.6% وفقدت العملة التركية نحو 40% من قيمتها، مما تسبب في إغلاق 14540 شركة وهروب رؤوس الأموال وتضاعف نسب البطالة.

كل تلك الأزمات وغيرها الكثير حدثت في ظل نظام برلماني لا يُنتخب فيه رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة. والآن بعد أن أصبح رئيس الجمهورية يأتي عبر الاقتراع المباشر من قبل الشعب بات الوضع مهيئاً أكثر لحدوث مثل تلك الخلافات بين رأسي السلطة التنفيذية حول الصلاحيات الممنوحة لكل منهما.
ومن غير المنطقي أن يظل رئيس الجمهورية الحاصل على أكثر من 50% من أصوات الشعب رئيساً شرفياً لا يتدخل في شؤون البلاد بينما يديرها رئيس وزراء ربما حصل على 25% فقط من الأصوات.


حصانة الرئيس ضد المساءلة القانونية

من المشاكل الأخرى التي يعانيها نظام الحكم القائم في تركيا حالياً، عدم إمكانية محاسبة رئيس الجمهورية. فالمادة الـ105 من الدستور التركي تنص على أنه لا يجوز الطعن لدى القضاء –بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا- على القرارات التي يتخذها رئيس الجمهورية منفرداً. بينما يتحمل رئيس الوزراء المسؤولية عن القرارات التي تحمل توقيع رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية معاً.
كذلك تنص المادة على أنه لا يجوز محاكمة رئيس الجمهورية إلا بتهمة "خيانة الوطن" ويلزم تقديم طلب بمحاكمة الرئيس يوقع عليه ثلث أعضاء البرلمان على الأقل ويتم قبول الطلب في حال صوت لصالحه 75% من الأعضاء.

وتنص المادة التاسعة من التعديلات الدستورية على أنه يجوز طلب فتح تحقيق بحق رئيس الجمهورية بشبهة ارتكابه أي جريمة من أي نوع بشرط توقيع (50%+1) من أعضاء البرلمان ويتم قبول الطلب حال صوت لصالحه ثلاثة أخماس الأعضاء (360 عضواً).

الحكومات الائتلافية

من ضمن عيوب نظام الحكم الحالي في تركيا مشكلة الحكومات الائتلافية ومنذ إعلان الجمهورية التركية حتى اليوم تعاقبت على البلاد 65 حكومة. 36 حكومة منها لم تكمل عاما واحداً في السلطة وبعضها استمر ثلاثة أشهر فقط. وكانت الحكومات الائتلافية هي الطابع الغالب على الحياة السياسية في تركيا منذ الستينيات وحتى أواخر التسعينيات.

ويؤدي كثرة تعاقب الحكومات وخصوصاً الحكومات الائتلافية إلى عدم استقرار سياسي واقتصادي. كما يتسبب في إحجام المستثمرين عن استثمار أموالهم في البلاد.

وتنص التعديلات الدستورية الجديدة على أن رئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعب هو من يتولى مهمة تشكيل الحكومة ورئاستها وإلغاء منصب رئيس الوزراء.

عدم الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية

من أهم عيوب نظام الحكم القائم حالياً أيضاً هو عدم الفصل التام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فالحزب الفائز بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية هو من يشكل الحكومة ويكون الوزراء غالباً من أعضاء البرلمان. أي أن الشخص نفسه يمكنه تولي مهمة بالسلطة التنفيذية وبالسلطة التشريعية في الوقت نفسه وهو ما يمثل إخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطات.

تنص التعديلات الدستورية على تعيين الوزراء من خارج أعضاء البرلمان، أو سقوط عضوية النائب الذي يتم تعيينه وزيراً.

القضاء العسكري

من مشاكل النظام القائم حالياً في تركيا أيضاً مشكلة القضاء العسكري، فالدستور التركي يقر بوجود المحاكم العسكرية ومحاكم النقض العسكري، والمحكمة الإدارية العسكرية العليا.

كما يوجد قاضيان عسكريان ضمن أعضاء المحكمة الدستورية العليا البالغ عدد أعضائها 17 عضواً.

وتنص التعديلات الدستورية على إلغاء المحاكم العسكرية بكل أنواعها – باستثناء محاكم التأديب للعسكريين-

كما تنص على إلغاء عضوية القضاة العسكريين بالمحكمة الدستورية العليا، وتخفيض عدد أعضائها إلى 15 عضواً.

كل مواطن القصور تلك وغيرها الكثير بالنظام البرلماني الحالي دفعت الرئيس رجب طيب أردوغان للمطالبة بالانتقال إلى النظام الرئاسي منذ سنوات. وقد سبقه في ذلك العديد من السياسيين ممن كانت لهم تجارب وممن عانوا بعض الأزمات الناجمة عن ضعف النظام البرلماني في تركيا. منهم رؤساء جمهورية ورؤساء وزراء سابقون مثل تورغوت أوزال، وسليمان دميرال، ونجم الدين أربكان. ومنهم زعماء أحزاب سياسية كبرى وقادة رأي مثل ألب أرسلان توركش مؤسس حزب الحركة القومية، ومحسن يازجي أوغلو مؤسس حزب الوحدة الكبرى.

ويجرى الاستفتاء على التعديلات الدستورية في السادس عشر من أبريل نيسان المقبل داخل تركيا. بينما انتهى التصويت للأتراك المقيمين في الخارج.

مختارات