ذبح الأضحية لدى الأتراك

إسطنبول
ذبح الأضحية لدى الأتراك

تقديم القرابين تقرباً لله موجود في كل الأديان سواء الشرائع السماوية أو الأديان الوضعية. في الغالب يكون القربان حيواناً ما. وهناك مجتمعات كانت الأضحية لديها من البشر مثل "الأزتك، وقدماء المصريين، والفينيقيين والفايكينغ. وقام "مينلاوس" بتقديم ابنته "افيغنيا" كقربان حتى ينجو من العواصف، وتعد هذه الحادثة أشهر مواضيع الدراما المأساوية في العصور الأولى.

ويقوم اليهود بتقديم المحصول الأول في الحقل كقربان للإله. ويحكي الإنجيل اشتراك المسيح –عليه السلام- في أحد مراسم تقديم القرابين. وقدم ابنا آدم عليه السلام قرابين لله فتقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر؛ ولذلك قام بقتل أخيه.

والقربان هو تضحية كبيرة. ومن أشهر عبارات الثناء في اللغة التركية أن يقول الشخص لمن يحبه "فلأكن قرباناً لله الذي خلقك". والقربان في اللغة العربية من القرب. أي أن الإنسان يذبح الأضحية للتقرب إلى الله. ولأن القربان يذبح في وقت الضحى يُسمى في العربية "الأضحية"، ومنها عيد الأضحى. والقربان كلمة من أصل سامي، ومذكورة في العهد القديم.

كل الكلمات المستخدمة للدلالة على القربان أو الأضحية متقاربة في المعنى في كل اللغات. مثلاً في الإنكليزية Sacrifice تعني تقديس شيء ما وتقديمه إلى الله. و كلمة offering وتعني تقديم هدية لله. أما كلمتا منحة ومذباح المذكورتان في العهد القديم فهما بنفس المعنى باللغة العربية وتعنيان تقديم عطية، وإراقة دم مقدس.

كان لدى الأتراك قبل الإسلام عادة ذبح القرابين للتقرب للإله أحيانا ولاتقاء شر الشيطان أحياناً، وأحياناً أخرى من أجل أرواح أجدادهم. وكانت القرابين تقدم في يومين محددين يتساوى فيهم طول الليل والنهار، تحت أشجار وأحجار مخصصة لذلك، وكان يتم تزيين المكان الذي تقدم فيه القرابين.

لم تكن عادة تقديم قرابين من البشر موجودة لدى الأتراك القدامى مما يعد إشارة إلى عظمة حضارتهم. وكان يتم ذبح القرابين من الخيل والكباش والغزلان. لم يكن اختيار القرابين عشوائياً بل كانت هناك مواصفات لابد من توافرها. مثلاً تكون القرابين من الأحصنة البيضاء فقط. وكان لابد أن يكون الكبش الذي يتم ذبحه من أجل دفع الشيطان كبشاً أقرن. كذلك لا تُكسر عظام الحيوان المذبوح بل يتم دفنها كما هي أو توضع في كيس وتعلق فوق الأشجار. وأحياناً كان يُرش لبن الفرس على الأرض.

الذبيحان

الأضحية عبادة قديمة ترجع إلى زمن إبراهيم عليه السلام. وحكاية الأضحية مشهورة مذكورة بالكتب المقدسة. فلم يكن لإبراهيم عليه السلام أولاد ونذر أن يقدم قرباناً إلى الله حال رزقه بمولود. وبالفعل رزقه الله ولداً ثم رأى في المنام أنه يذبحه. وكان هذا الولد هو إسماعيل عليه السلام. أخبر إبراهيم ابنه بما رآه فطلب منه ابنه أن يفعل ما أُمر به. وحاول الشيطان أن يوسوس لإبراهيم عليه السلام ليثنيه عن ذلك إلا أنه لم يستطع. وفي النهاية كافأ الله إبراهيم عليه السلام لامتثاله لأمره، وإسماعيل عليه السلام لأنه توكل على الله وامتثل لأمره. فأنزل الله كبشاً أملح أقرن من الجنة فذبحه إبراهيم عليه السلام ثم أكلا من كبده بعد طهوها ثم وزعا لحمه على الفقراء. ومن هنا أيضاً تأتي عادة المسلمين في طهو وأكل كبد الأضحية أولاً. نفس القصة مذكورة بالكتاب المقدس ولكن يذكر أن إسحاق هو من كان سيُذبح وليس إسماعيل (عليهما السلام).

هناك قصة مشابهة حدثت لأبي النبي صلى الله عليه وسلم وهو من نسل إسماعيل عليه السلام.

كان عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن موقع بئر زمزم الذي كان موجوداً في زمن النبي إسماعيل، وأثناء بحثه أحزنه أنه وحيد ليس له ولد فنذر أنه لو رزق بعشرة أبناء فسيقدم أحدهم قرباناً. وبالفعل رزق بعشرة من الأولاد وبعد فترة رأى رؤية ذكرته بالنذر الذي كان قد نذره. فقام بعمل قرعة كما جرت العادة في ذلك العصر لمعرفة أي أولاده سيذبح. وكانت القرعة تشير دائماً إلى ولده عبد الله. وحزن عبد المطلب لذلك كثيراً فأوصاه أحد الرهبان بعمل القرعة بين ولده عبد الله وبين دية المقتول في ذلك العصر وكانت عشرة من الإبل. فإذا أصابت القرعة الإبل فليذبحوها وإن أصابت ولده عبد الله فليزيدوا الإبل عشرا وهكذا. وأجريت القرعة بهذه الطريقة وأخذوا يزيدون عدد الإبل إلى أن وصل إلى مئة فذبحوها وهكذا نجا عبد الله من الذبح. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول "أنا ابن الذبيحين" يقصد أباه عبد الله وجده إسماعيل عليه السلام.

(دية المقتول خطأ في الشريعة الإسلامية هي 100 من الإبل)

تزيين الأضحية

يُشترط القدرة المادية لذبح الأضحية إلا أنه في فترة من الفترات لم يكن هناك من لا يذبح أضحية في المجتمع العثماني. كانت اللحوم رخيصة ولكن لم يكن هناك إمكانية لحفظ وتخزين اللحوم مثل الآن لذلك كانت اللحوم نادرة بالمدن. أما القرى فكان معظم الناس يملكون مواشي أو أغناما فكانوا يذبحون إحداها. وفي المدن يشترون الأضحية بنقود اللحوم التي وفروها على مدار العام.

كانت قطعان الأغنام تُحضر من الأناضول إلى إسطنبول ويتم إبقاؤها خارج أسوار المدينة وترسل إلى داخل المدينة على مراحل لبيعها حسب الحاجة. في الغالب كان كل شخص يذبح أضحيته بنفسه ومن لا يعرف كيف يذبح كان يحضر جزاراً ليذبح له ثم يعطيه أجره. كانت هناك حدائق أمام المنازل يمكن ذبح الأضاحي بها كما كانت هناك مساحات كبيرة من الأراضي الفارغة يتم الذبح بها. مما يمنع من اتساخ الشوارع بسبب ذبح الأضاحي. وكان الناس يدفنون الأعضاء الداخلية للأضحية ولا يتركونها هكذا.

كانت الأضاحي في الغالب من الضأن فلم يكن الناس قديماً يحبون لحم الأبقار. ولم تكن موجودةً أصلاً بكثرة. وكانوا يحبون لحم الضأن أكثر. ولأن الشاة تلد الصغار وتدر اللبن فكانوا يفضلون ذبح الكباش. فكانوا يشترونها قبل العيد بعدة أيام ويطعمونها في حديقة المنزل. كما كانوا يقومون بتزيينها وأحياناً تخضيبها بالحناء. ويكون الذبح بعد العودة من صلاة العيد.

الأطفال والأضحية

كان الأطفال ينشؤون صداقات مع الأضحية لذلك لم يكونوا يرغبون في ذبحها. فكانت العائلات يعدونهم بأشياء أخرى لإقناعهم أو يقومون بشراء أضحية أخرى. وأحياناً كانوا يأخذون الأطفال ليشهدوا ذبح الأضاحي حتى يعتادوا ذلك، وكانوا يقومون أحياناً بمسح جباه الأطفال بدم الأضحية. وكانوا يقولون لهم إن الأضحية ستقابلهم في الجنة حتى لا يحزنوا على ذبحها.

كان ميسورو الحال يحتفظون بثلث الأضحية ويوزعون الباقي على الفقراء وكان المجتمع ينظر باستياء إلى الأغنياء الذين لا يوزعون لحوم الأضحية على الفقراء.

كانت الجلود تدبغ وتُستخدم في المنازل. كما كانت دهون الأضحية تُخزن وتستخدم في الطعام.

كانت هناك سكاكين وسواطير وخُشُب لتقطيع اللحوم في معظم المنازل. وكان اللحم يُفرم في المنزل بواسطة سكاكين خاصة.

في زيارات التهنئة بالعيد كان الناس يقدمون لحم الأضحية بدلاً من الحلوى.

وكان إرسال العريس كبشاً إلى منزل خطيبته إذا حل عيد الأضحى قبل ميعاد العرس من العادات المنتشرة في ذلك الوقت، كما كان الكبش يُزين ويُخضب بالحناء وتعلق قطعة من الذهب على قرنه.

الأضحية في القصر العثماني

كان المكلفون بالاهتمام بأضاحي القصر موجودين بحي "رامي" في إسطنبول. وكانت الأضاحي تُزين وترسل واحدة واحدة إلى القصر. وتذبح الأضاحي في وجود السلطان. وكان السلطان يوكل بذبح 40 أضحية. وكان أهل القصر يشاهدون الذبح من نوافذ القصر. وتوزع لحوم الأضاحي المذبوحة في القصر جميعها على الفقراء. وكان شيخ الإسلام يُرسل كبشاً هدية إلى السلطان بينما يهديه السلطان خمسة كباش.