رسائل للناضجين في أدب الأطفال

جري سالم الجري @jerisaljeri_
اسطنبول
رسائل للناضجين في أدب الأطفال

كخريج أداب اللغة الانجليزية تخصصت في أدب الأطفال الذي يحلل كل الرسائل السياسية والدينية التي يحقنها كل مؤلف في أدبه. و في كل سنة دراسية لم تكن تخلوا دروسنا من تحليل الرسائل الجنسية للأطفال التي يتعمدها الكتاب. هذه الرمزيات الجنسية لا يعيها الطفل، فستشعر الآن وكأن كل النقاط ستنزل على الحروف لقصص طفولتك "البريئة"!

ذكر بروفيسور الطب النفسي جورد پيترسون من جامعة تورانتو ان ( پیتر پان ) هو فتى سحري مخلد في مرحلة الطفولة. و بصحبته جنية، هيفاء القوام. طار معها (پيتر) لعالم الدنيا الواقعية ليصطحب (ويندي) البشرية من الواقع لعالمه السحري، وأصبحت الإنسانة هي التي يلعب معها أكثر من بين سائر الأطفال السحريين. ولكن في عالمه كل الناضجين لا يسعهم إلا السخط فأنت كطفل كنت كتلة من الاحتمالات المستقبلية الغير مستهلكة. بل تتجلى تعاسة الناضجين في شخصية القرصان الشرير الذي يشعر وكأن الزمان يعضُه بأسنان الساعات. فإن وحش الزمان كان يتجسد بالتمساح الذي يلاحق القرصان ويزعجه كعلامة ان الزمن يقضم البالغين باستمرار.


وفي النهاية يخير ( پيتر) الإنسانة بين الخلود معه او العودة للواقع، فاختارت الواقع لأنها تخاف على مشاعر أهلها، فحرمت (ويندي) نفسها عليه للأبد. لأنها بخلاف (پیتر) ترضى بحقيقة الزمن وترضى لنفسها ان تكبر لأجل أهلها و تتزوج. أما (پيتر) فسيكتفي بخايلات جنسية لفتيات لا يطولهن مثل تلك المخلوقة الصغيرة الشفافة التي لا يجرأ عليها وإن كانت حقيقية. المؤلف هو جايمسز بيري، مشخص مريض نفسي، يعتقد ان امه لن تحبه إذا كبر لأنها كانت تكرر عليه "لا تكبر لا تكبر" وهي تبكي، وكانت تكرر هذا السلوك. وبسببها فشل طيل حياته مع النساء لأنهن يردن أب لأبنائهن. فلذلك كتب (پیتر پان)! ننتقل الآن إلى الفرنسية جابريلا فينيلنيويه كاتبة الجميلة والوحش ثم ليلى والذئب.


لقد كانت جابريلا ناشطة في حقوق المرأة، فألفت شخصية الأمير الذي أساء التعامل مع عجوز تسأله حاجتها عند باب قلعته فعنفها لفظيا وطردها، فمسخته وحشا بعدما أنزلت اللعنة عليه لأنها كانت مشعوذة، فجعلته ضحية من ضحايا الاستهانة بالمرأة. وبعدها مرت الأيام وهو ثائر بقلعته ريثما كانت تتجول في القرى فتاة حسناء بارة بأبيها، مشهورة بالقرية لبهائها ورفقها بالجميع وكان أبوها شيخيا هزيلا. أما (جاستون)، ذاك الرجل القوي، كان يعتقد ان (بيلا) ليست إلا ملكا له، وان إباها سيزوجه إياها حتى إن كان يعلم أنه زير نساء، بحكم انه أكثر رجل بالقرية فتوة. ولكن لسبب غير متوقع وصل الأب لقلعة الأمير الملعون فنال منه الوحش، وفي حبكة القصة جاءت المقايضة بين العجوز والحسناء، فاختارت الحسناء نفسها ان تكون محبوسة بالقلعة. ولم تكن الحسناء تعاني من متلازمة (ستوكهولم) التي تقتضي حبها لمن يقمعها لأنها عديمة البدائل، بل هي التي روضت الوحش بجاذبيتها. و تجلت هيمنة (بيلا) على شخصية الوحش بأنه اصبح يعتاد التحرك بهدوء وسكينة، بل تعلم بسببها فن الإيتكيت الفرنسي في تناول الطعام وغيره. إلى نهاية القصة حيث يتقاتل الوحش مع ( جوستون) وينتصر، ثم قبلته لينتهي مفعول اللعنة ويعود الامير إلى ما هو عليه قبل التوحش كشخصية سوية نفسياً. وبعدها أعز معشوقته بالأموال والرخاء. يجب ان ننبه بأن هذا هو حلم كل فتاة في اوروبا القرون الوسطى. فالمغزى من القصة ان المرأة يجب ان تثق بنفسها لتحقق كل احتياجاتها. فإن كل الفتيات ستخمد وحشية ذكورة رجالهن بأي لحظة يجعلن من أنفسهن (بيلا)! أما ليلى والذئب فهي قصة أوضح بكثير لأنها خالية من سيكولوجيا الحياة الزوجية.

تشارلز پورلت هو من كتب ليلى والذئب، التي يستحسن ترجمتها بذات الرداء الأحمر لأن ليلى هو المسمى العربي لها، وحرص على اللون الأحمر كرمزية للقول إن الفتيات أهداف الذئاب، ففي أوروبا الظلمات، كان أمرا شائعا أن تتزوج الفتيات الصغيرات برجال يكبروهن سناً. فالكاتب الفرنسي للقصة شدد بداية القصة ان أمها أوصتها ان لا تلقي بالا للغرباء. لكن الذئب استغل سذاجتها الاجتماعية وعرف وجهتها، فسبقها لبيت جدتها وتجهز لحضورها، ثم ابتلعها في الفراش. صرح مؤلف القصة انه كان يقصد بذلك وعظ الفتيات ان لا يكن ضحايا الاغتصاب، فإن ذوي الأخلاق المنحرفة غايتهم من الحديث مع أي بنت هي إدراك عذريتهن، واذا حصل ذلك، فستصاب حياتها الأسرية بشرخ كبير إلا من تابت وأنابت.


حثت القصص على أهمية النضج للزواج في پیتر پان لأن الجنس هو لمن فكوا شرنقة الطفولة، وهو جزء ضروري في أي علاقة رومانسية دائمة. فالجنس سبب بقاء الإنسانية. كما حثت المرأة على ان تتغافل عن الحركات الغير متحضرة لبعلها في اول فترة تعرفها عليه، و عززت ثقتها بنفسها بأنها قادرة على ان تسيسه بجاذبيتها ولو كان وجهه وجه أسد و يداه مخالب، فالمرأة الحصيفة تستطيع استخدام طاقة الرجل لها وليس عليها. وختاما كانت قصة ليلى والذئب خير واعظ للفتيات بأنهن مادة إغراء للذئاب، فينبغي ان لا تجامل القاصي والداني. و من الظريف ان المؤلف تشارلز بعد كتابته لقصة ليلى والذئب كتب سيندريلا، التي تكون فيها شابة خلوقة، غير متهورة اجتماعيا، يتزوجها أمير البلاد بسبب رزانتها التي أشهرتها بالحفل بدلا من المائلات المميلات اللواتي يطمعن به.


تلك القصص هي استعمال مثمر للأدب. فالرمزيات الجنسية استخدمها الغرب كجزء تربوي لطيف لا يخدش الحياء لدى الأسر المحافظة. يؤسفني انني من الفئة الأكاديمية القليلة التي تكلمتعن هذا الموضوع بدون شيطنة للغرب او ترويع من موضوع الجنس للأطفال، فلقد كان كله وعظاً خفياً. فمن خلال القصص ممكن أن نهيأ عقلية الأطفال لإدراك الواقع. فهل سنستخدم هذه الرمزيات الراقية في أدب الأطفال العربي؟