كان ياما كان في تركيا.. حيث يلتقي الغرب بالشرق

ميندي يارطاش
إسطنبول
نشر في 11.01.2019 14:29
آخر تحديث في 11.01.2019 14:30
كان ياما كان في تركيا.. حيث يلتقي الغرب بالشرق

غالبا ما يتم تكريم المغتربين لخيارهم "الشجاع"، خيار الانتقال إلى خارج الوطن. هي شجاعة لإحداث تغيير كبير في حياتنا، لعله تغيير من أجل غمر أنفسنا في ثقافة جديدة، أو الحاجة إلى تعلم لغة جديدة، وتستمر قائمة الأسباب وتطول.

وتصبح الأمور أكثر تعقيدًا بالنسبة للأجانب الذين يخطون خطوة أبعد من مجرد السفر للعيش في مكان ما خارج أسوار الوطن، أولئك الذين يتزوجون من ثقافة أخرى.

بالإضافة إلى محاولة إيجاد توازن بيننا كمغتربين وبين عامة الناس، فإننا نحاول أيضًا خلق حياة جديدة والاندماج في عائلة تكون غريبة عنا تمامًا في كل جانب من جوانبها.

في حالتي، كانت عملية الانتقال تعني إيجاد توازن بين شخصيتي الغربية للغاية، وتوقعات أسرتي المحافظة المستقبلية والتنازلات المتبادلة. أعتقد أنه بإمكانك القول إن هذا المقال هو أشبه بنظرة من وراء الكواليس لالتقاء الغرب بالشرق.

عالم مختلف:

أنا من مدينة صغيرة في الولايات المتحدة، عدد سكانها 3000 نسمة وهم من المسيحيين المحتشمين. رباني والداي على أن أكون مستقلةً، ورغم إدراكها المتأخر للأمر، قد تقول أمي إن استقلاليتي بدت مفرطة.

بعد قراري الانتقال إلى إسطنبول، لم يكن والداي متحمسَين للفكرة، لكنهما قدما دعماً مبدئياً لخيار التغيير في حياتي عندما حسمت أمري. في هذه الأثناء، وعلى الجانب الآخر من العالم، كان زوجي "بيلغيهان"، يؤدي مهمة شجاعة في إسطنبول، في إخبار والديه المسلمَين المحافظَين، أنه يريد الزواج من فتاةٍ أمريكية.

مقابلة العائلة:

ولحسن حظي، كان لزوجي اثنين من الأشقاء ساعدوا في كسر الجليد خلال زيارتي الأولى لتركيا. وفي النهاية، تمكن زوجي من كسب موافقة والديه والحصول على رضاهما. ومع ذلك، فإن الأسرة ليست الأم والأب والإخوة فحسب. إذ كان علينا أيضا مواجهة الأسرة الموسعة.

بعد معاناتها من مرض مزمن، كانت جدة "بيلغيهان" لأبيه محنية الظهر، الأمر الذي جعل طولها حوالي 4 أقدام و8 بوصات. وبسبب صعوبة السمع، كان رأسها المغطى دائمًا يتجه إلى الأرض أثناء مشيتها المتثاقلة وهي تنتعل حذاءها الأسود التقليدي - ولكن لا تدع ضعفها البدني يخدعك. انها بالفعل قد عوضت عن إمكانات بدنها المحدودة بعيون متحمسة وحضور وقعه قوي.

كانت نهاية شهر رمضان، وكانت عمّات وأعمام وأبناء عمّ "بيلغيهان" قد تجمعوا في منزل والديه لتناول الشاي. في الغرفة المزدحمة، عُرض عليّ المكان الوحيد المتاح بجانب جدته التي نشأت في القرية وعاشت حياة محافظةً في المدينة، ولم ترَ أي أجنبي عن قرب.

استطعت أن أشعر بعينيها تتفرسان في وجهي، عندها حاولت أن أبتسم وأعاود الإصغاء إلى المحادثة التي لم أفهمها. سرعان ما لاحظتُ أن الثرثرة قد تباطأت، وكانت كل العيون متوجهة إلى المرأة النحيلة المسنة. أدركت، في لمحة، أنه بينما كانت إحدى يديها لا تزال منشغلة في حبات سبحتها، كانت الأخرى تمتد بتأنٍ وبأصابع مصبوغة بالحناء اتجاه رأسي. لم يبد أحداً عدم ارتياح أو يشعر بالذعر، لذلك افترضت أنه أمر طبيعي. جلست بصبر وهي لا تزال تلمس شعري بلطف، ثم شرعتْ في الضغط على ذراعي - كما لو كانت تتحقق من نضارتي - وبادرتْ بلكزي لكزة لطيفة. حتى أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك فرفعت جانبا من طرف بنطالي للتحقق من كاحلي. سرقت نظرة سريعة على الأقارب الآخرين لأكتشف أنهم جميعاً يبتسمون من الدهشة كأنهم غير مصدقين ما يحدث. أخيراً، أجريت اتصالاً بصريًا معها وتقابلت نظراتنا بشبه ابتسامة ورقّة تنم عن رضى مبدئي. انفجر الحديث بصخب مرة أخرى، وتم تقديم الشاي.

لا تغيير سيتم لأجلي:

هل كان هذا الاختراق الشخصي ليكون مقبولًا في الولايات المتحدة؟ بالطبع لا. بصراحة، إنها ليست ممارسة شائعة في معظم العائلات التركية، لكنني لم أحاول أن أصبح فرداً في "معظم العائلات التركية". كنت أرغب في أن أُحترم في هذه العائلة التركية فقط. كانت جدة "بيلغهان" تبلغ من العمر حوالي 85 عامًا في ذلك الوقت، ولم ييق فضولها في حدود شخصها فحسب، بل راح يسري أيضًا لأقارب آخرين متشككين في الغرفة - وتحول إلى قصة رائعة تُروى لسنوات قادمة.

تتطلب العلاقات متعددة الثقافات على المدى الطويل التي تتجاوز التفاعل بين شخصين الكثير من الصبر. أحد أهم العوامل التي حاولت دائما أن آخذها في عين الاعتبار هي أن الثقافة ليست محل التغيير. وأنا لم أنتقل للعيش هنا من أجل إعادة تشكيل نمط التفكير الشائع في هذه البلاد، ولست قويةً بما يكفي للقيام بذلك.

مرت بي أيام في هذا المكان جعلتني أشعر بالجنون والإحباط وأحيانًا أشعر بالتخلف تمامًا ولكن بصراحة، لا أحد يهتم برأيي فيما يتعلق بكيفية عيشهم أو تقاليدهم أو ما يؤمنون به. في النهاية، أنا أمثل الشخص الأجنبي الوافد إلى فضائهم. في الواقع، لقد بذلت جهدا حقيقيا لإسقاط الشعور بأن الأشياء التي حولي هي التي عليها التكيف معي و ليس العكس- على الأقل إلى حد معين.

في البداية، يكون احترام ثقافة أخرى أمرًا سهلاً، خاصةً عندما تكون زائراً ولست مقيماً. لكن، عندما تختار أن تغمر نفسك في ثقافة غريبة عنك، لتعيش معظم حياتك هناك، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا. من المهم إيجاد توازن بين الاحترام والاحتفاظ بهويتك الخاصة. على سبيل المثال، هل أكره خدمة الناس؟ نعم فعلا. لكن هل أستيقظ صباحاً وأعيد صب الشاي لوالد زوجي مراراً كما هو متوقع؟ أيضا، نعم. لماذا؟ ببساطة لأنه أمضى 70 عامًا في توقع ذلك، وعلى الرغم من أنني أستطيع أن أقول لا، فإن توقعاته واستجابتي لتلك التوقعات ستعملان لصالحي أكثر مما لو رفضت تلك المهمة الصغيرة. هل أقدم الشاي لزوجي بنفس الطريقة؟ ربما مرة في العمر، إذا ما حدثت معجزة ما.

لجعل الحياة أسهل، وجدت أن هناك لحظات مناسبة لابتلاع اعتزازي واحترام ما تتوقعه ثقافتي مني. باختصار، لقد تعلمت أن أضبط -في حدود- الحالات الاستثنائية لغلبة ثقافتهم على ما أريد.

هذا بدوره، قد جلب لي احترام من حولي، الذين رأوا أنني أبذل جهداً لتلبية توقعاتهم.

ففي النهاية، أنا تزوجت من عائلة مسلمة محافظة لم يكن لها أي اتصال مسبق بالأجانب. كنت بالنسبة لهم أمثل تماماً "الآخر" حرفياً لكنني الآن لم أعد ذلك "الآخر" لأني أعطيتهم مساحة للتكيف معي بشكل مريح. بنفس الطريقة وبمفاهيم متشابهة تمت زيارتي الأولى إلى قرية زوجي "ديميرلي كوي"، في ولاية "جانق قلعة" في تركيا.

في قرية "دميرلي":

هنا يتجلى التفاعل مع المجتمع في أبهى صوره بالإضافة إلى بناء علاقات وثيقة مع الأفراد. إن احترام الثقافة وفهم توقعاتها أمران مهمان، وكذلك فهم أنك ستبقى ببساطة "أجنبي" بالنسبة للكثيرين.

كان هذا هو الحال في قرية زوجي، وهي بلدة صغيرة مأهولة بالسكان منذ قرون، تقع في السهول المتماوجة في وسط تركيا- حيث يبلغ عدد سكانها في الشتاء 32 نسمة، بينما يصل عدد سكانها في الصيف إلى ما يقارب 259 نسمة. هناك حوالي 80 في المئة من السكان المحليين يحملون نفس اللقب الذي صرت أحمله الآن بعد زواجي. وكقاعدة عامة، عادة ما تقوم النساء التركيات اللواتي لا يرتدين الحجاب بفعل كل ما يعكس احترام التقاليد الإسلامية المحافظة لتجنب مواجهة النظرات الغريبة.

من المحتمل جدا أنني كنت أول "غير تركي" يزور هذه القرية، وبالتأكيد أول أمريكية، وقد يكون عدم ارتدائي لغطاء الرأس، ومحبتي المفرطة للحيوانات اللطيفة والكاميرا الضخمة التي كنت أحملها، كل تلك الأمور ربما جعلتني أبدو غريبة و بعيدة عنهم.

لقد جذبني المزيج المثير للاهتمام، من المنازل المبنية من الطوب والّلبِن مع تلك المنازل الحديثة المبنية من الخرسانة، كذلك لم أكترث بما بدوت عليه في عيون من صادفوني في شوارع تلك القرية. وبصراحة، لم أكن أهتم للأمر.

كنت هناك مجرد زائرةٍ مؤقتة، وكان هدفي هو فقط إنشاء علاقات وثيقة وشخصية. وكمجتمع، أدركت أنهم سيتقبلون حقيقة أنني أجنبية، وفي النهاية تقبلوني كما أنا، تماماً مثلما كانت عائلة "بيلغيهان"، حتى في مظهري السياحي الأمريكي.

في تلك الزيارة، قضيت أيامي أتجول في السهول الجميلة المغطاة بالعشب، وألتقط صوراً وأشرب أحياناً الشاي بصمت مطبق مع السكان المحليين الذين رحبوا بي كفردٍ أجنبي في مجتمعهم.

الجانب الآخر:

فتح الباب واسعاً على سيدة تركية نحيلة، لها ذات الحجاب والابتسامات التي أمست مألوفةً لدي، وهي المرة الأولى التي ألتقي فيها بجدة "بيلغيهان" لأمه. قالت على الفور "هالو!"، وهي واحدة من الكلمات الإنجليزية القليلة التي تعرفها، وألقت ذراعيها حول رقبتي، ومدّت قامتها القصيرة للوصول إلي. تألق وجهها بينما كانت تقودني إلى غرفة معيشتها لتعرفني على والدتها، وهي سيدة مسنة نحيلة، تبلغ من العمر 95 عامًا، كانت قد نشأت في الجوار القريب. أخذت الجدة الأم يدي بيديها وابتسمت. ثم ما لبث بقية أفراد العائلة أن انضموا إلينا، وقاموا بتقديم تحيات حارة. "هل أنتِ جائعة؟" سألت السيدة باللغة التركية. حيث تشتهر البلدة برقائق العجين "البقلاوة" المحشوة بالجوز محلية الصنع، والفطائر المخبوزة و"الطرخانة" التي هي حساء شهير في تركيا مصنوع من مزيج من اللبن المجفف، ومعجون الطماطم والتوابل. وأصرّت على الفور على الجلوس إلى المائدة -على مر السنين التي تلت، تعلمت أنه لا يوجد معنى لرفض عرض الطعام؛ لأنها سوف تمانع رفضك بلطف آسر إلى أن تجعلك في النهاية تستسلم.

كانت متحمسة لاستضافة أجنبي في منزلها، وظفت "بيلغيهان" مباشرةً كمترجم فوري، وجلست بالقرب مني بعد أن أكلنا ومضت تسألني الكثير من الأسئلة عني وعن عائلتي، وعما إذا كنت أحب تركيا، وأخبرتني أنها تتوق للتعرف أكثر على حفيدتها الأمريكية الجديدة.

بعد 14 سنة:

في كانون الثاني / يناير 2005، قفزت على متن طائرة متجهة نحو المجهول. لقد احتجت بالفعل لعقل متفتح وصبر وتجاوز الكثير من العثرات لبناء حياة هنا. بعد كل التنازلات والتأني المدروس في التفاعل الاجتماعي، هل أندم على قراري؟

بالطبع لا. لقد وسعت تركيا نظرتي حول أشياء كثيرة، بما في ذلك الدين والروابط العائلية والثقافات عميقة الجذور. ببساطة، انا أيضاً تركت بصماتي هنا، أو على الأقل على عائلة واحدة متفهمة وقرية صغيرة منعزلة في سهول الأناضول.