إسماعيل ياسين..الجوكر الحق!

جري سالم الجري @jerisaljeri_
نشر في 31.10.2019 17:49
آخر تحديث في 31.10.2019 18:59
إسماعيل ياسين..الجوكر الحق!

هذه المقالة لكل من ضحك و بكى. لكل من مر على أقصى شعورين بشريين. حيث إختصهما الخالق لنفسه بقوله تعالى ( وأنه هو أضحك وأبكى)، فالضحك هو ذروة السرور، وفرقعة البهجة، هو الرعشة الحميدة، هو تقلص العينين، و شلل مؤقت لذيذ؛ وهو تفاعل مشاعر مخلوطة خلطاً حلواً في لحظة إمتاع واحدة. وهو يفرز الأندورفين، هرمون تسكين الألم الجسدي والنفسي. أما البكاء، فإنه يفعل فعل الضحك بالجسم، ولكنه خلط مرير للمشاعر. وهكذا كانت حياة إسماعيل ياسين... كان التجسيد الحقيقي للجوكر.ولكن في بيئتنا العربية، التي يسود فيها التسطيح للشخصيات، فأصبح من المسلمات انه مجرد مهرج كوميدي بحركات شفاه، و تمثيله الجسدي الفكاهي، ولكن بما ان العالم اجمع على عبقرية فلم الجوكر، الذي أوضح مأساوية حياة ذاك المهرج، وتعمق برحلة فكرية وعاطفية في الغوص بعبقريته السيكولوجية كمهرج مكتأب يتحدى الدنيا، فبهذا المقال سأثبت ان...الجوكر خيال و واقعه هو إسماعيل ياسين. كلنا يشعر في قرارة نفسه أن المهرجين مجانين، لأنهم أبداً مقنعين بإبتسامةٍ ليست لهم! ولا يسمحون لنا ان نعرف من هم..والأهم من ذلك..يحجبون عنا مشاعرهم الحقيقية. فغالبا تخلط أفلام الرعب لنا شخصية المهرج بشخصية القاتل أو المجرم..فما الجديد من الجوكر الذي أكتسح العالم؟ وكيف ظهر؟ حتماً لا يمكن أن نتكلم عنه بدون ذكر باتمان، الذي يمثل قمة الأخلاق، والذي لا يُضادد عالمه الإنضباطي إلا الجوكر، ملك الفوضى، الذي يضحك بوجه أهوال الحياة. و لكن الكثير لايعلم أن شخصية الجوكر كانت ملهمة من شخصية بطل فلم ( The Man Who Laughs) المنتج سنة ١٩٢٨م، حيث يحكي الفلم قصة رجل عاجز عن التعبير بأي شعور غير الضحك. فطيلة الفلم، يظلمه و يقهره الآخرون ويسيء قرائته من يحبونه. لان الإبتسامة قد تحنطت على وجهه وهو حي، فيتشوق الكل لمعرفة ما تلك المشاعر الأخرى التي تغلي في داخله، ولكن لماذا نهتم به أصلا؟ وهو مجرد مهرج حزين...عاجز عن التعبير. من رأيي هنالك أسباب كثيرة جدا...١. سباقنا في إشفاء فضولنا.٢. ....ما أجهله.٣. خوفنا من جهلنا بمشاعر شخصية غريبة قد تكون خطرة ومميتة.١٨٠. ...ما أجهله.إسماعيل ياسين لم يكن خطراً إلا على نفسه..ولكنه كان عاجزاً عن الظهور بدون قناعه الذي لم يغطي جلد وجهه، بل ما وراء جلده. ألا وهو شخصية المهرج ذا الظرافة الأبدية كالجوكر.وُلد طفلا في السويس الخديوية بسنة ١٩١٢م. وحيد الأبوين.يضرب الأب الأم بعنف و بإستمرار.فالأب يدخل كل ليلة البيت وهو سكران، يقسو على ابنه الطفل الصغير، الذي كان متعلقاً بأمه جداً، و فجأة صرخت امه على ابيه بشدة فتوقف قلبها، و هلكت امام ابنها.أكثر الأب من السُكر، فأرسل أبنه إلى جدته من امه...لتربيه هي.فحينما وصل الطفل إلى العجوزة التي ماتت بنتها بسبب ابيه، كانت هي الجحيم على حد وصفه.

فكبر قليلاً، فطردته، فأوى لأبيه، فرفضه أبوه، ولم يكمل هذا الطفل تعليمه. فدخل "الكباريهات".حاول الإختلاط بأهل الفن، فجاهد في إمتاع الآخرين، كضرورة لبقاءه. ولكنه حلُم ان يصبح مغنياً، للأسف. فلم يفلح لا بالشكل ولا بالصوت، فكانوا يسخرون منه ويصرخون عليه قائلين " يا بوق!" نظراً، لفمه الكبير. ولكن دام على الإلتصاق بأهل الفن، فركب القطار مع فنانة مشهورة، حيث كانت تغني بالحفلات مدفوعة الأجر، وقد طلبوها لمنطقة ريفية. وحين وصلوا، اتضح ان الزفاف قد تم إلغاءه، و لقد تلطخ ثوبها بالطين بلا فائدة، فإلتفت إليه وصرخت بوجهه " يا وش النحس!!!".فلما عادوا للقطار، سارع على ان يغسل ويجفف ثوبها، فخلعت ثوبها وهي في "الكبينة"، فغسل الثوب و نشره بيده من نافذة القطار، فجاء قطار آخر وطار الثوب!! والمسكينة عارية في كبينتها تنتظر ثوبها، ولا تعلم ما حصل!!إلى ان وصلوا لمصر من جديد، وكان طيلة الطريق مخرجاً يدياه خارج الشباك وهو يمثل لهم انه يجفف الثوب. فلما وقف القطار و قالوا له " كفااااية! هاتو حتى لو مانشفش..." قفز إسماعيل من النافذة و تكسر عظمه وبقيى في المشفى، حيث احترقت كل آماله بالغناء....للأبد.ولكنه بعد سنين طويلة من الرفض والطرد؛ إقتنع أنه لن يقبله الناس إلا كمهرج.فقبلوه الناس أخيراً!!!

فأصبح يمثل بمشاهد موزعة على اربعة أفلام بالأسبوع الواحد وكلها هو بطلها، و انتج أكثر من ١٧٠ فلم وعشرات المسرحيات ومرات ظهور تلفزويني لا تعد، و إلقائات إذاعية، و مونولوجات في الحفلات لا تحصى، فأصبح أيقونة الكوميديا العربية التي لن تُمحى، وأخيراً...عشق فتاة.طلب الزواج منها، فأخذته لرجل غريب، لا يقرب لها، فطلب منه يدها بالحلال.... فوافق الرجل، فطار إسماعيل من الفرحة. لأنه أخيرا سيكون هو جزء من عائلة. ولكنها طلبت منه ان يحول لها كل أمواله لفترة طويلة ومريرة...وبالفعل وافق وهو يضحك، فكلما حول لها، إزداد شوقاً لتكوين أول أسرة آمنة له؛ إذ بتلك الفتاة تكون أساساً مرتبطة بذاك الرجل إرتباطاً شرعياً. ولكم قراءة ما حصل بعدها بدون حروف.كامل حياته كانت ألم و أمل...وألم... ولكن قد حصل أمرٌ جلل!!! كاد أن يموت بسببه!دعوه الأشراف والأعيان للحضور أمام الملك فاروق. لكي يسلي الملك. فماذا قال إسماعيل أمام وجه ملك مصر و السودان و نصف فلسطين؟؟ ماذا قال "سمعه" بوجه عظمة جلالة الملك فاروق!! و أمام الأكابر ...!؟؟" لو واحد مجنون زيك..."
صرخ الملك!!
فسقط إسماعيل أرضاً!!المسكين، كان يمثل انه مغمى عليه لئلا يسلخونه سلخاً!! فأرسل الملك له طبيباً ليتأكد من ما ان كان مغمى عليه بالفعل أم لا. فكان الطبيب رحيماً، فجارى الطبيب أكذوبة إسماعيل. فقال الحاشية للملك، الذين يحبون إسماعيل، بأنه يصاب بحالات عصبية غريبة؛ فبأمر الملك، أبقوه بمستشفى الأمراض العقلية لفترة طويلة ومريرة...وكذلك هي حياته؛ ألم وأمل وألم.إلى أن زار جمال عبدالناصر مملكة المغرب، فجاءه مغربي يطلبه ان يوصل سلامه لإسماعيل ياسين شخصياً وليس لأي وزير أو مسؤول؛ وكانت بهذه اللحظة، قد تم إعتماد إسماعيل ياسين وجه الضحك والسعادة للعالم العربي أجمع، فلقد إكتسح صيته حتى كارزما جمال عبدالناصر!! فماذا تتوقعون ان حل به بعدها؟عاد فقيراً كما بدأ، عاد مطروداً من الأفلام والكباريهات وهو في الخمسينات من العمر لأنه كان شديد الجدية والصعوبة بالتعامل، إلى أن سقط أمام عتبة بيته بنوبة قلبية كأمه...وكان هذا بعام ١٩٧٢م.
مات وهو معدم المال والحب والسعادة. فلم يجد ذويه حتى ثمن دفنه...وجه الضحك العربي، مات.الغرب يحتفل بعبقرية المغامرة النفسية لشخصية الجوكر؛ يتمتعون في الغوص في العمق السيكولوجي الحزين للمهرج، لأجل المتعة المؤقتة. ولدينا إسماعيل ياسين الذي كان الجوكر ليس لفترة مؤقتة، بل لعمره كاملاً. آخر تسجيلاته الصوتيه الإذاعية قال فيها " انا نفسي اشاهد تقديري وانا لسه على قيد الحياة".لم يكن له ما تمنى. كان كل ما مر بالطرقات يسخرون من حركاته الناس ويرددون "يا بوق" كمثل البداية المؤلمة. وكان هذا يجرحه كل مرة. و يجعله يغيير مساره. للعلم فلم الجوكر في ٢٠١٩م وصل ٩٦.٢ مليون دولار محلياً في امريكا و ٢٥٨.١مليون دولار عالمياً؛ ولعل قوة نجاحه هو لسبب عدم تركيزه على الجوكر كشرير أو مجرم واضح، بل كإنسان غير واضح..مثل إسماعيل ياسين.لماذا كل هذا كلام؟ لأنني كنت أحاول فك سحر الجوكر وإسماعيل ياسين الذي فتن الناس، وكل ما قرأتموه هو محاولتي الفاشلة في ذلك. ولكن يكفيني ان اقول، أن الفرق الوحيد بينهما؛ أن الأول خيالي والثاني حقيقي. فكليهما أرادا الإضحاك، بعالم عابس.فهل ستضحك أم ستبكي؟أنا لن أختار إلا ما اراده هو.
الضحك معه، وليس عليه.
جمعه الله بأهله؛ وبكل من أضحك، لأبدية النعيم، اللهم آمين.الكاتب: جري سالم الجري.


الرسام: حاتم حسين