إسبرطة.. أرض الورود والبحيرات

ديلي صباح
إسطنبول
نشر في 16.04.2019 14:28
آخر تحديث في 16.04.2019 14:35
(الأناضول) (الأناضول)

منطقة البحر المتوسط ​​في تركيا هي أكثر من مجرد مزيج من أشعة الشمس والرمال والبحر. ومنطقة إسبرطة، أرض الورود والبحيرات، لا تزال تنتظر من يكتشف تاريخها العميق وجمالها الطبيعي.


تخيل أنك تجلس على شرفة تفوح حولك رائحة الورود البرية في الهواء، بينما تشاهد مياه البحيرة تتلون بتلون أشعة الشمس. رغم أن المنظر قد يبدو من رواية رومانسية، إلا أن هذا المزيج الطبيعي الفريد موجود بالفعل في قلب منطقة البحر المتوسط ​​في تركيا. تُعرف إسبرطة بأنها أرض الورود والبحيرات، وهي وجهة مفضلة لعشاق الرياضة في الهواء الطلق الذين يستمتعون بالآثار القديمة الغامضة جنبا إلى جنب مع مياه البحر الصافية، والرمال وأشعة الشمس الدافئة. تبلغ مساحتها حوالي 9000 كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي 450.000 نسمة. خلال فصلي الربيع والخريف، ترحب المدينة بالسياح من جميع أنحاء تركيا، وكذلك من جميع أنحاء العالم.

باعتبارها مركز منطقة البحيرات في تركيا، تعد إسبرطة الولاية التركية التي تضم معظم البحيرات. تدهش كل من بحيرة "غول جوك غراتر"، وبحيرة "غوفادا"، وبحيرة "إغيردير"، زوارها بمناظر خلابة ومجموعة متنوعة من الأنشطة.

ومع ذلك، إذا كنت تبحث عن نزهة أكثر جفافا، فإن كلا من جبل دافراز وجبل ديديغول وجبل بارلا، يعدونك بمغامرات المشي لمسافات طويلة.

على مر السنين، أصبحت إسبرطة تُعرف باسم "حديقة الورود في تركيا". فتربية الورود وصناعتها هي أعمال واسعة الانتشار في إسبرطة. وكنتيجة لطيفة، يمكنك الاستمتاع برائحة الورود الحلوة التي تنمو في الحقول في كل ركن من أركان المدينة. تقريبا جميع أنواع المنتجات المتعلقة بالورود، بما في ذلك زيت الورد، يتم إنتاجها وتصديرها من إسبرطة. في الواقع، تنتج المنطقة 60 في المائة من زيت الورد في العالم. بصرف النظر عن الورود، تشتهر المدينة أيضاً بزراعة القرنفل والخزامى والزعتر والتفاح والخوخ والكرز.

بالإضافة إلى منتجاتها النباتية، فإن سجاد إسبرطة معروف أيضاً في جميع أنحاء العالم لجودته وأصالته. يعود تاريخ صناعة السجاد في إسبرطة إلى القرن الثاني عشر. وتضم المدينة عدداً كبيراً من التركمان، الذين أصبحت تقاليدهم في نسج السجاد أمرا أساسيا في المنطقة. ومع ذلك، فقد تطور صناعة النسيج التركماني الفريد ببطء نتيجة لاتجاهات المستهلكين وأذواقهم. بدخول القرن التاسع عشر، بدأ نسّاجو السجاد في منطقة إسبرطة، وكذلك في منطقتي مانيسا وأوشاك، يكيّفون أساليبهم التقليدية مع الأذواق الحديثة.

نظراً إلى موقعها الجغرافي الإستراتيجي، لطالما كانت إسبارطة منطقة مفضلة لمجموعة متنوعة من الحضارات عبر القرون، منذ عهد الحثيين. وعلى مر التاريخ، حكم المدينة الفريجيّون والليديّون والفرس والمقدونيّون والرومان. وعندما صارت المدينة تحت الإمبراطورية الرومانية، أصبحت تعرف باسم "بسيديا". في وقت لاحق عندما تم تقسيم الإمبراطورية، أصبحت المدينة جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية. بعد انتصار الأتراك في معركة ملاذ كرد، بقيت إسبرطة عالقةً بين الأتراك والبيزنطيين لنحو 200 عام. في النهاية، أصبحت مدينة الورود أراض تركية ولم تغزوها قوات أجنبية منذ عام 1203، لتصبح ولايةً رسميةً بعد إعلان جمهورية تركيا في عام 1923.

لعب القديس بولس دوراً مهماً في نشر المسيحية وتعزيز التسامح بين الناس من جميع الأديان والمعتقدات. خلال حياته، سافر القديس بولس، المولود في طرسوس، بولاية مرسين، من القدس إلى روما ومن الأناضول إلى القدس كجزء من عملياته التبشيرية. خلال رحلاته التبشيرية، سلك القديس بولس طريق إسبرطة، وأصبح الطريق الذي سلكه يُعرف الآن باسم "طريق القديس بولس".

بدأ القديس بولس رحلته التبشيرية في مدينة "بيرج" القديمة، بالقرب من أنطاليا على ساحل البحر المتوسط. ووصل أخيراً إلى حي "يالفاج" في مدينة إسبرطة، حيث تقع مدينة أنطاكيا-بيسيديا التوراتية، لإلقاء خطبته الأولى.

يعد مسار القديس بولس، الذي يبلغ طوله 500 كيلومتر، ثاني أطول طريق للرحلات بعد طريق ليكيا. يبدأ الطريق في "بيرج" وينتهي في "يالفاج". ويحظى "يازلي كانيون" أو "الوادي المنقوش" الواقع على الطريق، بشعبية كبيرة بين السياح.

تصطف الغابات الحمراء على جانبي الوادي، مما يخلق منظراً مريحاً ومكاناً جميلاً للزائرين. أثناء المشي، يتدفق نهر "غوكسو" بجانبك على الطريق. بعد بضع دقائق من التجول، ستظهر نقوش تحمل اسم الوادي نفسه. لقد تم إتلاف أجزاء من النقوش المحفورة على الجدار الصخري للوادي أثناء بناء طريق فرعي، لكن ما تبقّى منها يشير إلى الفيلسوف القديم الشهير "إبيكتيتوس"، الذي وُلد عبداً ثم كانت له لاحقاً أقدار هامة.

إسبرطة مدينة مغمورة بالجمال الطبيعي، وهي لا تزال في انتظار من يكتشفها. كل خطوة برائحة وردية ستأخذك إلى مغامرة مخبأة في أسرار المدينة. وإذا كنت ترغب في معرفة المزيد عن هذه المدينة المتوسطية الرائعة، يمكن أن تتوج رحلتك في هذه المدينة عبر أهم خمسة نشاطات:

حضور مهرجان الورود:

لاقتران اسم إسبرطة بـ"أرض الورود"، من البديهي أن تقيم المدينة مهرجاناً مخصصاً للورود. يقام مهرجان الورود والحصاد السنوي الذي تنظمه بلدية إسبرطة في "غوني كنت" كل عام في شهر مايو، مما يسمح للزوار بمشاهدة حصاد الورود بشكل مباشر. يستيقظ السياح في الصباح الباكر ويتوجهون إلى حقول الورود لمساعدة المزارعين المحليين.

بعد اكتمال حصاد اليوم، يمكن للزوار القيام بجولة في المصانع حيث تتم معالجة الورود. هناك يمكنهم التعرف على كيفية استخراج الزيت من الورود تقليديا. على الرغم من أن المهرجان يقام في مايو، إلا أن حصاد الورد يستمر حتى نهاية يونيو. خلال فصل الربيع، يزور السياح من أوروبا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين وسنغافورة، مدينة إسبرطة للانضمام إلى موسم الحصاد السنوي للورد.

السير على خطى القديس بولس:

يبدأ المسار الذي سلكه القديس بولس خلال رحلته التبشيرية من أنطاليا، ويصل إلى حدود إسبرطة بعد 100 كيلومتر. من المعروف أن القديس بولس زار عدة مدن رومانية قديمة في رحلته. ومن الشائع أن تصادف بقايا هذه المدن القديمة مع اتباع خطوات هذا الرجل الكبير الذي لعب دوراً مهماً في انتشار المسيحية في آسيا الصغرى. يبلغ طول طريق الرحلات 500 كيلومتر وينتهي في بلدة "يالفاج"، في إسبرطة.

إذا كنت مصمماً على السير على كامل المسار الذي سلكه القديس بولس خلال رحلته إلى إسبرطة، فمن الأفضل أن تصطحب معك دليلاً إرشادياً لمعرفة المسارات المختلفة والعديدة التي يمكنك اتباعها. إذا اتبعت الطريق الأكثر أماناً، فستستغرق الرحلة حوالي 14 يوماً سيراً على الأقدام. ومع ذلك، قام بعض المتنزهين باختصار الطريق ووصلوا "إيغردير"، فأنهوا مسيرهم في سبعة أيام.

شراء منتجات الورد:

عند زيارة "أرض الورود"، لا يمكنك تفويت فرصة شراء منتجات الورد المحلية. من المعروف أن منتجات الورد، خاصة زيت الورد وماء الورد، ممتازة للبشرة. هناك بعض شركات التجميل المحلية التي تستخدم الورود في مجموعة متنوعة من منتجات التجميل. إذا لم تكن قد جربت بالفعل ماء الورد، فهذه فرصة كبيرة للقيام بذلك أثناء زيارتك. وأثناء وجودك هناك، يمكنك أيضاً شراء مربى الورد أيضاً.

متعة الشتاء في منتجع التزلج:

يوفر منتجع التزلج "دافراز" في إسبرطة، والذي يقع على جبل "دافراز"، متنزهاً ثلجياً لأولئك الذين يزورون إسبرطة خلال أشهر الشتاء الباردة. يقع الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 2632 متراً على بعد 26 كم من وسط المدينة، وهو مركز السياحة الشتوية في المنطقة. يتيح منتجع التزلج لزواره، فرصة ممارسة هواية التزلج بينما يستمتعون بالإطلالة الجميلة على بحيرة "إيغردير". يضم الجبل طرق تزلج آمنة ومسلية لمحبي التزلج الهواة والمحترفين. ومع انعدام أي خطر حقيقي من الانهيارات الجليدية أو الضياع، يعد منتجع "دافراز" للتزلج مكاناً آمناً للرحلات العائلية. من خلال مساراته الـ12 على جبل "دافراز"، يمكن للمتزلجين الاستمتاع بالثلج بقدر ما يريدون.

مقابر حُيران الصخرية:

عند النقطة التي ينتهي فيها طريق القديس بولس، تبدأ مقبرة الصخور القديمة في "يالفاج". تتكون مقابر إسبرطة الصخرية، الواقعة بالقرب من بحيرة حُيران، من قبور قديمة كانت مخصصة للنبلاء. يوجد ما مجموعه ثلاثة مقابر صخرية بالقرب من حُيران تذهل الزوار بفخامتها. يبلغ ارتفاع كل قبر 3 أمتار وعرضه 3 أمتار.

لا تزال هويات الأشخاص الذين صُنعت المقابر من أجلهم غير معروفة. صممت المقابر على شكل غرف، مما يدل على أن الأشخاص الذين دفنوا فيها، كانوا بالتأكيد من النبلاء. اكتشف علماء الآثار أن المقابر كانت مزينة ذات يوم باللوحات الجدارية، ومع ذلك، فقد ضاعت جميع الزخارف بمرور الوقت.

من الحقل إلى الجرة.. مربى بتلات الورد:

توقف لبرهة لتخيل فضاءاً مليئاً بالورود التي يفوح عطرها المسكر حولك. الورود هي كنوز ساحرة حقاً، جميلة سواء في الحديقة أو في إناء. ومن المثير للاهتمام، أن هذه الزهور ليست مشهورةً لدلالتها الرومانسية فقط، ولكنها مشهورةً أيضاً لاستخداماتها المتنوعة في العطور والزيوت الأساسية وحتى منتجات الماكياج. لقد تم الاحتفال بالأناقة الخالدة للورود على مدار قرون، وذلك لاستخداماتها التجميلية وأيضاً لمساهمتها في فنون الطهي.

يمكن استخدام بتلات الورد التي توصف في كثير من الأحيان باسم "أشعة الشمس المعبأة في زجاجات" في صنع الجيلاتين والشراب والمربيات العطرية اللذيذة، مما يتيح لك التمتع بحلاوة الصيف طوال العام. باعتبارها "حديقة الورود في تركيا"، تقدم مدينة إسبرطة الفرصة لتجربة الورود من خلال الحواس الخمسة، ولكن بشكل فريد من خلال حاسة التذوق الخاصة بك. مربى بتلات الورود مشهور جداً، ومتوفر للشراء في جميع أنحاء المدينة. ومع ذلك، إذا لم يكن لديك وقت للسفر إلى هذه المدينة الرائعة، فلماذا لا تجلب متعة الورود إلى منزلك عن طريق صنع مربى بتلات الورد بشكل محلي؟

إذا لم تحظَ بمربى محلي الصنع من قبل، فستجد أن مربى بتلات الورد بسيط إلى حد كبير لأنه مصنوع بالكامل من الورود. كل ما تحتاجه هو 500 جرام من بتلات الورد الطازجة، و500 غرام من السكر، ولتر من الماء وعصير ليمونتين، لصنع هذه الروعة في المنزل.

النقطة الفارقة في صنع جرة لذيذة من مربى بتلات الورد، هي اختيار بتلات الورد بعناية. تجاهل أي بتلات ميتة أو مشوهة وحاول الحصول على أفضل بتلات فواحة يمكن أن تجدها. من المهم أن تتذكر أن لون البتلات سيحدد لون المربى الذي ستحصل عليه، لذلك من الأفضل اختيار بتلات من نفس دفعة الورود المجنية. تأكد من أن الورود خالية من مبيدات الحشرات والمواد الكيميائية، مع الحرص على غسل البتلة تماماً لإزالة أية أوساخ أو حشرات صغيرة. ضع البتلات مع السكر في وعاء واخلطهما بلطف بأصابعك. بعد ترك البتلة في السكر لبضع دقائق، ضعها في قدر مع الماء وعصير ليمونتين وارفعها على النار. قم بتحريك الخليط حتى يغلي ثم استمر في التحريك لمدة خمس دقائق أخرى بينما يثخن الخليط.

الجزء الأكثر تسلية من صنع مربى بتلات الورد هو اختيار مرطبانات التعليب. لهذا المربى اللذيذ والجميل، يجب أن تجد الجرار التي تعكس جمالها الملون. بعد تنظيف الجرار، اسكب المربى بمساعدة ملعقة خشبية. بمجرد الانتهاء، يصبح المربى جاهزاً للاستمتاع بتذوقه.

يقدم مربى بتلات الورد اللذيذ، مع الخبز العادي أو الخبز المحمص أو الكعك. إذا كنت ترغب في إضافة لمسة صيفية إلى طاولتك، يمكنك أيضاً أن تبدع بتزيين مرطباناتك بربط أشرطة ملونة حول أغطيتها، أو عن طريق تقديم هذه الجرار الشهية محلية الصنع لجيرانك.

>بقلم معراج تبان