قبائل ناميبيا الإفريقية.. شاهد على ماضي ألمانيا المؤلم ومجازرها عبر التاريخ

وكالة الأناضول للأنباء
اسطنبول
نشر في 05.06.2016 13:08
قبائل ناميبيا الإفريقية.. شاهد على ماضي ألمانيا المؤلم ومجازرها عبر التاريخ

أعاد اعتراف البرلمان الألماني (البوندستاغ)، بالمزاعم الأرمنية المتعلقة بـ"أحداث عام 1915"، إلى الأذهان، مجازر ارتكبها الألمان أنفسهم عبر التاريخ، بحق الملايين من قوميات وعرقيات مختلفة، مثل اليهود والغجر والروس والبولونيين، في معسكرات الاعتقال إبّان الحرب العالمية الثانية، إلى جانب الأفارقة بمنطقة جنوب غربي القارة السمراء (ناميبيا)، خلال الحرب العالمية الأولى.

وكان للموارد الطبيعية التي تتمتع بها القارة الأفريقية، دورا كبيرا في إثارة مطامع المستعمرين الأوروبيين تجاهها، نهايات القرن التاسع عشر، ومن ثم قامت بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا، بتقسيم القارة السمراء فيما بينها، أما ألمانيا فتخلفت عن ركب المستعمرين الأوائل، ودخلت أفريقيا عام 1880 لتحتل آنذاك، المناطق التي تعرف حاليًا باسم الكاميرون، وتوغو، وناميبيا.

ولعل السبب الرئيس في عدم خضوع ناميبيا لاحتلال أوائل المستعمرين الأوروبيين، يتمثل في ظروفها المناخية، وموقعها الجغرافي الذي لا يتناسب مع الأغراض الاستعمارية، لكن مع نهايات عام 1884، خضعت البلاد بالكامل مع سكانها من قبائل "هيريرو" و"ناما" و"أورلام" و"أوفامبو" لسطوة الاحتلال الألماني.

وفي عام 1903، أي بعد 19 عامًا من الاحتلال، ثارت قبيلة "ناما" ضد المستعمر الألماني، الذي لم يتوان عن استخدام القوة لقمع المحتجين، ما أسفر عن مقتل 60 شخصًا من القبيلة.

وفي 12 كانون الثاني/ يناير 1904، لحقت قبيلة "هيريرو" بزعامة "صامويل ماهاريرو"، بركب الانتفاضة والثورة ضد الاستعمار الألماني، الذي لم تتردد حكومته ببرلين، في إرسال قادة عسكريين إلى "مستعمرة ناميبيا" بقيادة الجنرال "لوثر فون تروثا"، حيث استطاع في آب/ أغسطس من العام ذاته، قمع التمرد في معركة عرفت باسم "ووتربيرغ"، وهجّر الآلاف من قبيلتي "هيريرو" و"ناما" إلى الصحراء، ليموتوا جوعًا وعطشًا.

وحول معركة "ووتبيرغ" كتب "جان كلوتا"، الذي كان يعمل دليلا عند المستعمرين الألمان، في مذكراته "عندما هُزمت قبيلة هيريرو في ووتربيرغ، كنت هناك، وشاهدت الألمان يقتلون كل من صادفوه في طريقهم من رجال ونساء وأطفال، بلا رحمة أو شفقة، ثم طاردوا الفارين وقاموا بقتلهم إما ضربا أو بالحراب، دون أي مقاومة تذكر من أفراد القبيلة العزّل".

وتوجه من تبقى من قبائل "هيريرو" إلى المستعمرات البريطانية حفاظا على حياتهم، لكن كان لزامًا عليهم أن يقطعوا صحراء "أوماهيكا" سيرًا على الأقدام ليصلوا هدفهم، إلا أنَّ ألف شخص فقط تمكنوا من قطعها، بينما كان الموت جوعًا وعطشًا مصير محتوم على الباقين.

وإلى جانب تلك المآسي والممارسات الوحشية، قضى العديد من سكان ناميبيا جرّاء الأمراض وسوء التغذية، بسبب معاملة المستوطنين الألمان لهم كعبيد، وتشغيلهم في أعمال قاسية في ظل ظروف سيئة.

ولا شك أن الألمان كان يستعملون صنوفًا شتى من العذاب والاستحقار بحق أصحاب البلاد التي كانوا يستوطنوها، ومنها أنهم كانوا يستخدمون تلك الشعوب لإجراء تجارب طبية عليهم، وفي تلك الحقبة تم إرسال 3 آلاف جمجمة إلى برلين لنفس الغرض، وقد أُعيد بعضها إلى ناميبيا عام 2011 بعد تفاهم وقع بين البلدين بهذا الشأن.

وفي تقرير لها عام 1985، ذكرت الأمم المتحدة، أنّ 80% من سكان قبيلة "هيريرو"، و50% من سكان "ناما" لقوا حتفهم، بين عامي 1904-1907، جرّاء عمليات التهجير التي فرضها عليهم المستعمرون، وممارسات تعذيب تمت في معسكرات اعتقال الألمان، واعتبر التقرير تلك الأحداث، بواكير المجازر التي شهدها القرن العشرين.

وبعد أن مُنيت ألمانيا بهزيمة في الحرب العالمية الأولى، دخلت ناميبيا تحت سيادة جنوب أفريقيا، حتى حصولها على الاستقلال عام 1990.

في العام 1998 زار الرئيس الألماني رومان هانز، ناميبيا، والتقى مونجوكو نغواوفا، زعيم قبيلة "هيريرو"، الذي طالب بتقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات لبلاده جراء ممارسات ألمانيا الاستعمارية.

بالمقابل أعرب "هانز" عن أسفه عما حدث، وبرر عدم دفع بلاده التعويضات، بعدم احتواء القانون الدولي عام 1907، بنودًا تنص على دفع تعويضات.

وفي عام 2007، رفعت قبيلة "هيريرو" دعوى قضائية في المحاكم الأمريكية، ضد الحكومة الألمانية وبنك "دوتشه" الألماني، الذي كان يمول الشركات زمن الاستعمار، وطالبتها بدفع تعويضات، جراء ما اقترفته من مجازر.

وفي عام 16 أغسطس/آب 2004 قدمت "هيدي ماري فيتزوريك زول"، وزيرة التعاون والتنمية الألمانية، اعتذارًا رسميًا، قائلة "نحن الألمان، نتحمل أخلاقيًا ما اقترفته بلادنا من جرائم في تلك الحقبة الزمنية".

ولم تقدم ألمانيا أي تعويضات مالية لناميبيا، إلا أنها أطلقت وعودًا بتقديم 14 مليون دولار سنويًا كمساعدات للدولة.

ونظرًا لفظاعة المجازر الألمانية في ناميبيا، باتت مادة هامة لإثراء الأعمال الروائية الأدبية والسينما، فضلًا عن الأفلام الوثائقية.

تجدر الإشارة أن البرلمان الألماني، صادق الخميس الماضي، على مشروع قرار يعتبر مزاعم الأرمن حول "تعرضهم لمذابح" إبان الدولة العثمانية عام 1915، "إبادة جماعية"، إلا أن القرار يعدّ قرار توصية من البرلمان للحكومة، وليس له أي جانب إلزامي من الناحية القانونية.

ويطلق الأرمن بين الفينة والأخرى نداءات تدعو إلى "تجريم" تركيا وتحميلها مسؤولية مزاعم تتمحور حول تعرض أرمن الأناضول إلى عملية "إبادة وتهجير" على يد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، أو ما يعرف بـ"أحداث عام 1915"، كما يقوم الجانب الأرمني بتحريف الأحداث التاريخية بطرق مختلفة، ليبدو كما لو أن الأتراك قد ارتكبوا "إبادة جماعية" ضدهم.

وتؤكد تركيا عدم إمكانية إطلاق صفة "الإبادة الجماعية" على تلك الأحداث، بل تصفها بـ"المأساة" لكلا الطرفين، وتدعو إلى تناول الملف بعيدًا عن الصراعات السياسية، وحل القضية عبر منظور "الذاكرة العادلة" الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة أحادية الجانب إلى التاريخ، وتفهم كل طرف ما عاشه الطرف الآخر.