عندما يغلب الجشع منطق العقل

واليوم، يقف حزب الشعوب الديمقراطي وتنظيم حزب العمال الكردستاني الارهابي أمام خيارين، فإما ان ينجرفا في طريق العنف، او ان يستعيدا وقف اطلاق النار، لتعزيز مكاسبهم في شمال سوريا، وقطف ثمار السلام في الداخل التركي.

أسفرت حرب تركيا على الإرهاب عن اعتقال ما يزيد عن الألف عنصر من عناصر تنظيم الدولة (داعش) وتنظيم حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) الارهابي. كما استمرت القوات الجوية التركية في استهداف مواقع تنظيم حزب العمال الكردستاني بغاراتها الجوية في شمال العراق لعدة أيام. ووسط هذه الأجواء، لم يمر يوم واحد من دون ورود أخبار عن هجمات يشنها التنظيم هنا وهناك. حتى بدا للمتابع أن الماضي البائس قد عاد من جديد.

يعتقد بعض المراقبون، أن التصعيد الحاصل على الساحة يعكس رغبة حزب العدالة والتنمية في الحصول مجددا على الأغلبية البرلمانية في انتخابات مبكرة. وترى المعارضة أن الجهود العسكرية تعني رغبة أردوغان في دخول هذه الحرب. قد يكون ثمة معنى لهذه الإدعاءات لو أن تنظيم حزب العمال الكردستاني لم يعلن بشكل أحادي انهاء وقف اطلاق النار، ولم يدعُ مؤيديه إلى حمل السلاح من جديد. وهنا يتبادر الى الذهن سؤال مهم: فمع أن تنظيم حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) الارهابي قد قام بهجمات في الأشهر السابقة وهدد بانهاء وقف اطلاق النار، فلماذا انتظرت تركيا حتى الآن للرد على هذه الهجمات؟ الجواب بسيط للغاية: لأن السلطات التركية كانت مستعدة لتحمل نسبة معينة من الأعمال الإرهابية في سبيل الحفاظ على سير عملية السلام الداخلي. إلا أن تنظيم حزب العمال الكردستاني قد أخطأ في تخمين حجم العنف الذي تستطيع تركيا تجاهله.

لقد واجه تنظيم حزب العمال الكردستاني أوقاتا صعبة، منذ أن بدأ عملياته المسلحة منذ ثلاثة عقود. التنظيم المتيقظ لمعادلات الشرق الأوسط الصعبة، عمل مع استخبارات الدول ذات المصالح في المنطقة، ومنها الاستخبارات السورية والايرانية والروسية والأوروبية.

واستطاع التنظيم، بشكل أو بآخر، الحفاظ على وجوده. وفي عام 1999، وجد التنظيم نفسه بين المطرقة والسندان، عندما اعتقلت القوات الأمنية التركية قائده المؤسس، عبد الله أوجالان، في كينيا. ومع ذلك، استطاع التنظيم ايجاد حلفاء جدد، والتأقلم بأيديولوجياته مع الظروف المتغيرة. ومع حالة الاضطراب الشاملة التي نشأت جراء ثورات الربيع العربي، استطاع التنظيم اقتناص العديد من الفرص بمهارة، مستغلا حالة الفوضى التي نشأت، في الوقت ذاته الذي أتاحت فيه عملية السلام الداخلي للتنظيم فرصة فرض السيطرة على المناطق الجنوبية الشرقية من تركيا.

وعندما شن تنظيم الدولة (داعش) حملته البشعة، رأى تنظيم حزب العمال الكردستاني فيها فرصة سانحة للاصطفاف الى صف الولايات المتحدة، بينما كان حزب الوحدة الديمقراطي يتوسع على حساب تنظيم الدولة في شمال سوريا. وفي الوقت ذاته، ساهمت المشاعر الرافضة لحزب العدالة والتنمية في الداخل التركي في رفع شعبية حزب الشعوب الديقراطي، الجناح السياسي لتنظيم حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) الارهابي. وبذلك كان التنظيم يروج في تركيا لديمقراطية زائفة، من أجل "انقاذ" البلاد من حزب العدالة والتنمية. أما خارجيا، فقد كان تنظيم حزب العمال الكردستاني يروج لنفسه على أنه قوة علمانية تقاتل ضد تنظيم الدولة، أي كقوة علمانية لا تستحق أن تصنف على لائحة الارهاب. ووسط حالة انعدام الرؤية السياسية بعد انتخابات السابع من حزيران، كان الوقت قد حان للتنظيم لمضاعفة أرباحه. فالسماء قد ضحكت له، فقوات حزب الاتحاد الديمقراطي كانت تتقدم في سوريا، بينما ظهرت الحكومة التركية ضعيفة في مواجهة الارهاب. إلا أن تنظيم حزب العمال الكردستاني قد أساء تقييم الموقف، حيث سيطر الجشع على رؤيته، وظن مخطئا أن تركيا المنشغلة بمحادثات تشكيل الحكومة الائتلافية والتطورات في شمال سوريا، عاجزة عن الرد على هجماته. والأهم من ذلك، أن التنظيم لم يكن يتوقع أن تتوصل تركيا، العضو في حلف الناتو، الى اتفاقية للتعاون مع الولايات المتحدة، ضد تنظيم الدولة (داعش).

إن مجزرة "سوروتش"، وما تبعها من مقتل شرطيين على يد تنظيم حزب العمال الكردستاني، لم ينقل المعركة بين تنظيم الدولة (داعش) وحزب الوحدة الديمقراطي الى داخل تركيا فحسب، بل جعل من المستحيل لتنظيم حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي الحديث عن السلام في غرب تركيا وإدارة العنف في شرقها. ولمواجهة العنف المتصاعد، وضعت الحكومة التركية استراتيجية ثلاثية لمواجهة العنف. فمن ناحية قامت باتخاذ اجراءات صارمة مع شبكات تنظيم حزب العمال الكردستاني الارهابي في المدن التركية، كما قامت باعتقال عناصر تنظيم الدولة (داعش) الارهابية. وأظهرت في الوقت نفسه بعض القوة، من خلال الغارات الجوية التي شنتها على أهداف لتنظيم حزب العمال الكردستاني الارهابي في شمال العراق.

يوليو 2015، كان شهر الجشع الجامح للقوميين الأكراد. وهنا لا بد لنا من ان نتساءل عن ما إذا كان النجاح الانتخابي لحزب الشعوب الديمقراطي قد خلق حلما ورديا أدى لتضليل قيادات تنظيم حزب العمال الكردستاني. واليوم، يقف حزب الشعوب الديمقراطي وتنظيم حزب العمال الكردستاني الارهابي أمام خيارين، فإما ان ينجرفا في طريق العنف، او ان يستعيدا وقف اطلاق النار، لتعزيز مكاسبهم في شمال سوريا، وقطف ثمار السلام في الداخل التركي. هذا ما سنراه في المستقبل، فإما أن يغلب المنطق أو الجشع.