احتياطيات الغاز الجديدة في تركيا والجغرافيا السياسية في البحر الأسود

إسطنبول
نشر في 20.10.2020 14:11

أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان يوم السبت عن اكتشاف تركيا الأخير لاحتياطي إضافي من الغاز الطبيعي في البحر الأسود. ويوضح هذا التطور أن قوة الطاقة في تركيا قفزت إلى مستوى أعلى. فالاكتشاف الجديد لا يتعلق بالاقتصاد فقط، لأن الصراع المحتدم على السلطة في شرق البحر المتوسط، يمكن أن يظهر من جديد في البحر الأسود، ويحوله إلى نقطة اشتعال جيوسياسية جديدة.

وقد أفادت وسائل إعلام دولية خلال عطلة نهاية الأسبوع، عن هجوم أرميني على "ناخيتشيفان" في منطقة القوقاز، شرق البحر الأسود. مما يثبت أن وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة روسية بين أذربيجان وأرمينيا كان هشاً للغاية. كما يعكس هذا الهجوم صعوبة وضع حدٍ للقتال بين الدولتين، إذ يوجد الكثير من العوامل المثيرة للقلق في هذا النزاع مثل ترسانة أرمينيا من الصواريخ الباليستية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، وتدفق المقاتلين الأجانب إلى أرمينيا، بمن فيهم أعضاء تنظيم بي كا كا الإرهابي المنتشرين في إقليم قره باغ، بالإضافة إلى"الأسلحة الثقيلة" التي تهدد موسكو بإعطائها للأرمن. وكذلك تبين الهجمات على خطوط الطاقة وعلى منطقة "ناخيتشيفان" تزايد الأعمال الاستفزازية التي تقوم بها يريفان اليائسة.

إن التزام الناتو عام 2008 بقبول أوكرانيا وجورجيا كعضوين جديدين فيه جعل البحر الأسود والقوقاز يبرزان كنقطة تنافس محورية بين الغرب وروسيا. وقامت روسيا على إثر توسع المنظمة شرقاً، بتقسيم أوكرانيا وجورجيا. ومثّل ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 ذروة هذا التصعيد.

بينما تكللت مساعي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتغيير سلوك روسيا من خلال فرض عقوبات اقتصادية عليها، في عهد إدارة باراك أوباما، بالفشل الذريع. واستمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ظل إدارة ترامب، بتوسيع نطاق نفوذ بلاده ليشمل شرق البحر المتوسط وشمال إفريقيا والخليج. وتشهد المناورة البحرية الروسية المصرية المشتركة في البحر الأسود على القواسم المشتركة بين صراعات القوة المستمرة في أجزاء مختلفة من العالم. وغني عن القول أن البحر الأسود يحتل مكانة مركزية في التقييمات الاستراتيجية لموسكو. فسواحله تمثل مفتاح النفوذ الروسي على أوروبا الشرقية وأوكرانيا والقوقاز. كما تولي موسكو أهمية كبيرة للبحر الأسود فيما يتعلق بالدفاع الوطني والقدرات العسكرية وكذلك الصراع على السلطة في شرق البحر المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط.

أما بالنسبة للتحالف الغربي، فإن البحر الأسود يتمتع بأهمية خاصة ولا يمكن التفريط به وتركه للنفوذ الروسي. وبحسب مركز الأبحاث الأمريكي RAND، فإن الصراع على السلطة بين الغرب وروسيا سيحدد مستقبل أوروبا. كما أن الاستراتيجيين الأمريكيين الذين يحاولون إعادة تحديد الدور العالمي لواشنطن لا يتوقعون أن تتجاهل الولايات المتحدة أوروبا أو تغض الطرف عنها. حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال يمارس ضغوطاً على ألمانيا بشأن اعتمادها على الطاقة الروسية.

وفي حالة إعادة انتخابه، من المتوقع أن يركز ترامب على الصين، ويلتزم بالسياسة الحالية لإدارته تجاه روسيا. وفي هذه الحالة، ستعمل موسكو على المحافظة على توازن القوى الحالي في البحر الأسود، بالرغم من أن التطورات الأخيرة في بيلاروسيا قره باغ وقيرغيزستان تشير إلى أن المحافظة على الوضع الراهن لن تكون سهلة أبداً.

أما إذا فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة، فمن المتوقع أن تركز واشنطن على احتواء روسيا. وسيتعين عليه أن يعمل على تخفيف الضغط الروسي على أوروبا في محاولة لتمكين الناتو أكثر. بعبارة أخرى، سيعمل بايدن على وقف توسع دائرة النفوذ الروسي.

وأياً كان الفائز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 3 نوفمبر، فإن التوترات الجيوسياسية حول تركيا لا بد أن تتصاعد. ولن يكون هناك فصل جديد من العلاقات التركية الأمريكية فحسب، بل سيكون لدى أنقرة وموسكو أيضاً خريطة طريق جديدة في ضوء التنافس والتعاون والتوتر بينهما.

وكما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخراً، من غير المرجح أن تكون تركيا وروسيا أكثر من "شريكين". حيث يتنافس البلدان في ليبيا وشرق المتوسط وسوريا والبحر الأسود والقوقاز. وبرأيي أن مبادرات تركيا في ليبيا قره باغ تزعج موسكو كثيراً.

وختاماً نقول إن ازدياد قوة تركيا يفرض عليها تطوير نوعٍ جديد من العلاقات ليس مع التحالف الغربي فقط بل مع روسيا أيضاً. وقد يكون البحر الأسود منطقة جيوسياسية جديدة يتم فيها اختبار هذه الفرضية.

تنبيه قانوني: تنبيه قانوني: جميع حقوق النشر والاستخدام للأخبار والمقالات المنشورة ملك مؤسسة "تركواز ميديا جروب" Turkuvaz Medya Grubu'. ولا يجوز اقتباس أي مقال أو خبر بالكامل حتى مع ذكر المصدر دون الحصول على إذن خاص.
يجوز اقتباس جزء من أي مقال أو خبر بشرط وضع رابط مباشر للمقال أو الخبر المقتبس.. من فضلك اضغط هنا لقراءة التفاصيل اضغط.