حول طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وبي كا كا

في أعقاب المحاولة الانقلابية التي شنها تنظيم غولن الشهر الماضي، بدأ تنظيم بي كا كا الإرهابي بنقل عملياته الإرهابية ومذابحه بحق المدنيين التي يشنها تحت اسم تنظيم تاك، من غرب تركيا اإلى شرق وجنوب شرق الأناضول.

من جديد، يعود تنظيم بي كا كا ليتصدر المشهد، من خلال المزيد من عملياته الإرهابية الدامية. إذ شن التنظيم الإرهابي هجومين كبيرين، كان أولهما في محافظة فان وثانيهما في ألازيغ، بتفجيرسيارة مفخخة أمام مركز للشرطة، مما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص، منهم مدنيان، وجرح 73 آخرين، 53 منهم من المدنيين، إضافة إلى 20 شرطياً.

وفي أعقاب ذلك شن التنظيم هجوماً على مركز شرطة ألازيغ، بسيارة مفخخة، مودياً بحياة ثلاثة أشخاص، وموقعاً 217 إصابة، منها 14 في حالة الخطر.

سارع التنظيم من وتيرة هجماته الإرهابية منذ قرابة العام باسم حرب الثوريين، هادفاً إلى خلق حالة من الحرب الأهلية من خلال حروب المدن والشوارع التي يقودها والإعلانات عن الحكم الذاتي. حيث ظن التنظيم أن حالة من الفراغ الإداري قد نشأت في البلاد ما بين انتخابات السابع من حزيران/يونيو والانتخابات المعادة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني. إلا أن استراتيجيات الدولة الجديدة تجاه التنظيم وغياب التجاوب الشعبي مع دعوات التنظيم الى التمرد، إضافة إلى قدرة حزب العدالة والتنمية على الاسترداد السريع للقوة في انتخابات الأول من نوفمبر، ساهمت كلها في تقويض قدرة التنظيم على المناورة. وبعد أن أدرك التنظيم أن محاولاته لتطبيق الحكم الذاتي في بعض المدن التركية باءت بالفشل بل انقلبت عليه حتى بدأ يفقد قدراته على الأرض، بدأ التنظيم بشن هجمات انتحارية في المدن الكبرى تحت اسم تنظيم "صقور حرية كردستان (تاك)".
أما هدف هذه الهجمات الانتحارية فقد أصبح جلياً ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز. إذ كشفت التحقيقات أن عدداً من الجنود المشاركين في الانقلاب والمرتبطين بتنظيم غولن الإرهابي، كانوا على تعاون واتصال وثيق بقيادات من تنظيم بي كا كا أيضاً. كما كان من الواضح أيضاً محاولة بي كا كا خلق بيئة من الخوف والفوضى في البلاد قبيل المحاولة الانقلابية.

وواصل التنظيم نشاطه بعد أربعة أيام من المحاولة الانقلابية، مسارعاً من وتيرتها. ما أدى الى مقتل العديد من المدنيين بدم بارد. وكما ذكرت في مقدمة المقالة، فقد هاجم التنظيم المدنيين في فان والازيغ. وقبل عدة أيام، هاجم تنظيم بي كاكا مركز مراقبة المرور قرب منطقة بيسميل، مودياً بحياة سبعة أشخاص، خمسة منهم من الشرطة ومدنيان، أحدهما طفل. كما أصيب 45 شخصاُ في الهجوم، معظمهم من المدنيين. إن ما شهدناه الأسبوع الماضي، كان جزءاً مروعاً من إرهاب تنظيم بي كا كا.

وفي إحدى الهجمات قضى التنظيم على عائلة بجل أفرادها، في وسط ديار بكر، حيث قضت الوالدة مع اثنتين من بناتها وحفيداها بسن الثالثة والثامنة من العمر.

في أعقاب المحاولة الانقلابية التي شنها تنظيم غولن الشهر الماضي، بدأ تنظيم بي كا كا الإرهابي بنقل عملياتها الإرهابية ومذابحه بحق المدنيين، والتي يشنها تحت اسم تنظيم تاك، من غرب تركيا الى شرق وجنوب شرق الأناضول. والتنظيم يخسر بسرعة واضطراد ما كان يمتلكه سابقاً من الدعم الشعبي، لكنه يواصل تشديد هجماته على الرغم من ذلك.

هذا التنظيم الإرهابي الذي أتحدث عنه هو ذاته الذي تشير إليه صحف النيويورك تايمز والواشنطن بوست وغيرها من وسائل الإعلام الغربية على أنه تنظيم "الثوار الأكراد".

ومع أن تنظيم بي كا كا مدرج على لائحة الإرهاب في الولايات المتحدة، إلا أن إدارة أوباما تستخدمه كأداة قذرة للتضييق على أنقرة على طاولة المفاوضات ولتعميق الأزمة في سوريا.

بي كا كا لا يريد التخلي عن هذا الدور. فهو يسعى إلى الظهور بمظهر القوي النافع، متظاهراً بالقدرة على الوقوف على قدميه، وقدرته على شن المزيد من الهجمات. وهذا أحد أهم الدوافع التي تقف خلف استمرار العمليات الارهابية.
أما الدافع الآخر الذي يقف خلف الهجمات فيتمثل في الشعور بالعلو والسيادة بعد الاستيلاء على منبج من قبضة داعش في شمال سوريا، والرغبة في إشاعة هذا الشعور النفسي على المستويات الأخرى داخل التنظيم.

ومن الدوافع أيضاً، الرغبة في تقليل العواقب السلبية لعودة العلاقات التركية الروسية. فالتنظيم يدرك أن إحدى أهم النقاط الحساسة في الخلاف التركي الروسي في سوريا تتمركز حول رغبة تركيا في السماح لها بالحرب على تنظيم ب ي د، في سوريا. يأتي هذا في الوقت الذي سيشمل فيه التعاون التركي الروسي مجال الحرب على داعش، وهو ما سيسحب البساط من تحت قدم بي كا كا، كونها القوة الإقليمية في الحرب على داعش. لذلك، فإنه ومن خلال هذه الهجمات الإرهابية، يحاول التنظيم حرمان تركيا من تأسيس واتباع استراتيجية بسياسات خارجية مستقلة.

إذا نظرنا إلى المشهد بشكل متكامل، ستظهر علامات استفهام مهمة، على رأسها هل تسعى هجمات بي كا كا إلى تحقيق حالة عدم الاستقرار التي حاول وفشل الانقلاب في تحقيقها في منتصف الشهر الماضي؟ وهل تقود الولايات المتحدة كل ذلك؟ هذه الأسئلة يطرحها الشعب التركي اليوم، والغالبية تعتقد أن جواب السؤالين هي نعم.