مشاكل أوروبا

اسطنبول

ومع عدد من الانتخابات المحلية المرتقبة في أوروبا العام المقبل، فإنه من المتوقع أن تشهد السياسات الأوروبية مزيداً من التقلبات والتغيرات، التي ستعزز بدورها حالة الشك الذاتي، وسترفع من التوجهات الشعبوية والمعادية للمهاجرين والمعادية للإسلام والآخر.

تواجه أوروبا موجة من الشعبوية والاستغلالية السياسية المدمرة والعنيدة في إطار أجواء من عدم الاستقرار العالمي والفوضى الإقليمية والعداء ضد المهاجرين والقادمين الجدد. وهو ما يهدد بإضعاف فكرة أوروبا ويضعف تحديداً الاتحاد الأوروبي خاصة بعد تصويت بريطانيا على الخروج من مظلة الاتحاد. ومع عدد من الانتخابات المحلية والقومية المرتقبة في أوروبا العام المقبل، فإنه من المتوقع أن تشهد السياسات الأوروبية مزيداً من التقلبات والتغيرات، التي ستعزز بدورها حالة الشك الذاتي، وسترفع من التوجهات الشعبوية والمعادية للمهاجرين والمعادية للإسلام والآخر، على طول القارة الأوروبية. وعلى القادة الأوروبيين أن يقوموا بتقييم الوضع جيداً إن كانوا يريدون لأوروبا أن تبقى متماسكة قوية داخلياً، وفاعلة على الصعيد الخارجي.

لقد كان فوز ألكسندر فان دير بللين على خصمه اليميني المتطرف نوبرت هوفر، في الانتخابات الرئاسية النمساوية، مطمئناً للقلقين من تصاعد موجات العنصرية والاستغلالية السياسية. فهوفر لم يكن فقط يعبر بوضوح عن أفكاره العنصرية ضد الأتراك والمسلمين عموماً، لكنه في الوقت نفسه دعا (قبل أن يتراجع لاحقاً) إلى استفتاء يشبه استفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، وذلك في المرحلة الأولى من حملته الانتخابية. ولو تم انتخابه، كان سيصبح أول رئيس يميني متطرف وعدائي للإسلام بوضوح، في دولة أوروبية هامة. وحتى بعد خسارته، فإن الأفكار التي حملها وساهم في الترويج والتسويق لها ما زالت حاضرة في البلاد. هوفر لم يكن يعادي انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فحسب، بل كان يعارض قدوم الأتراك والمسلمين إلى النمسا، وموقفه السياسي هذا لا يزال يزداد شيوعاً في العديد من الدول الأوروبية. وفي الوقت نفسه فإن الحكومة النمساوية لا تزال تحافظ على خط مثير للجدل ومعادٍ لتركيا.

سيناريو الانتخابات النمساوية يمنح بصيصاً من الأمل، بأن سياسة إلقاء اللوم على الأتراك والمسلمين في كل ما يخص مشاكل البلاد لن تؤتي دوماً النتائج المرجوة في صندوق الانتخابات. على الأقل ثمة قلة في أوروبا يرون الحقيقة جيداً ويدركون أن تبسيط مشكلات البلاد وإلقاء اللوم فيها على سبب واحد، ووصم الناس بالمسؤولية عنها قد يجلب منافع سياسية قصيرة المدى ولكنه لن يقدم حلولاً على المدى البعيد. إن أصرت أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا على الاعتماد على مخاوف المواطنين البسطاء (التي في غير محلها)، وعلى إثارة مشاعر التمييز والتعصب الأعمى لديهم، فإن أوروبا ستزيد من الإحباط واليأس والتشتت والكراهية في المجتمع بدلاً من مخاطبة المشاكل الحقيقية لديها.

من المتوقع أن نرى حالة مشابهة في الانتخابات الفرنسية القادمة العام المقبل. فالقاعدة الشعبية لحزب الجبهة الوطنية الفرنسي، الذي يقوده مارين لي بين، في ازدياد مضطرد في العامين الماضيين. ومن المتوقع أن يكون هذا الحزب منافساً قوياً في انتخابات الرئاسة 2017. ومع إعلان أولاند عدم نيته خوض الانتخابات الرئاسية لدورة أخرى، وتراجع الاشتراكيين، كيف سيكون تجاوب الحزب الجمهوري (المعروف سابقاً باسم الاتحاد من أجل حركة شعبية) بقيادة مرشحه القادم للرئاسة فرانسوا فيلون، مع هذه المتغيرات. الأمر المحقق هو أن نفس الأفكار المعادية للمهاجرين والمعادية للعولمة والمناهضة لتركيا وللإسلام ستكون بلا شك جزءاً من حملة الانتخابات الفرنسية. من غير المتحمل أن تتخلى فرنسا عن الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا. ولكن مشاكل الاندماج والإسلاموفوبيا والأصولية والبطالة طويلة الأجل، وإشكاليات الهوية والنظرة الذاتية في فرنسا ستواصل السيطرة على المشهد الاجتماعي والسياسي في فرنسا.

ومن المؤكد أن ألمانيا ستواجه القضايا نفسها في انتخابات العام القادم. فعلى الرغم من ارتفاع فرص أنجيلا ميركل، القيادية الأقوى في ألمانيا وأوروبا، في الفوز، إلا أنها ستواجه أيضاً عدداً من المشاكل الكبرى في ما يخص سياسات التعامل مع المهاجرين وتحديات الحفاظ على اقتصاد أوروبي قوي. وعلى الرغم من جهود ميركل الكبيرة ونجاحها في وقف مدّ اللاجئين إلى أوروبا إلا أنها ستدفع ثمناً غالياً على ضوء هذه المسألة في الانتخابات المحلية. وستواجه الشعبوية والانتهازية السياسية وتجلياتها في ألمانيا وأوروبا عموماً.

إضافة إلى ذلك، فإن الاستفتاء الدستوري في إيطاليا، والذي قاد البلاد إلى استقالة رئيس الوزراء الإيطالي ماتو رينزي، يلوح بتعميق أزمة انعدام الاستقرار السياسي في إيطاليا وأوروبا عموماً. فإيطاليا معروفة أوروبياً بكثرة تعاقب الحكومات عليها، وكثرة الأحزاب السياسية، فقد تعاقب على الحكم فيها 64 حكومة منذ الحرب العالمية الثانية. وأي أزمة لحكومة إيطالية مقبلة سيكون لها أثر سياسي واقتصادي كبير على البلد وعلى أوروبا بشكل عام.

من الطبيعي أن تؤثر هذه الدراما السياسية في أوروبا على طبيعة العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، فغياب الاستمرارية والدعم لتركيا في حربها على الإرهاب يلعب دوراً رئيسياً في تعميق الاختلافات الموجودة. كما أن فشل أوروبا في التعامل مع التهديدات الأمنية التي تواجهها تركيا، والتي تلعب بالوقت نفسه دوراً مهماً في أمن أوروبا، يزيد من تعميق غياب الثقة. كما أن بطء بل جمود محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد لا يمنح أي صورة مبشرة. إن فشل أوروبا في التعامل مع أزمة اللاجئين بشكل فعال ومناسب يزيد من إضعاف العلاقات. كما أن التعامل مع تركيا والرئيس أردوغان على أنهما جزء من "الآخر" باسم الانتهازية السياسية، يزيد من تعقيد الأمور بدلاً من تحسينها.

إن حل هذا اللغز يكمن في ترتيب الأولويات وإدراك أن الأمن الجمعي والإزدهار يتطلبان عملاً جماعياً على كافة المستويات. في هذا العصر من الاعتمادية المتبادلة والتحديات المشتركة، يمكننا خلق بيئة من الدعم المتبادل ورفض الانصياع للخطط غير النفعية. لن تنجح أوروبا في حل مشكلاتها من خلال إسلام سياساتها إلى العنصرية وعداء الآخر لدى اليمين المتطرف، بل من خلال إعادة تبني قيمها المركزية.

كما أن فتح صفحة جديدة مع تركيا قد يكون جزءاً متسقاً مع هذه الخطوة. فالتوصل إلى تحرير فيزا الشينغن مع تركيا سيخلق أجواء جديدة من الشراكة. فهذا حق كان يجب أن يمنح للمواطنين الأتراك منذ زمن طويل على أية حال. وكذلك الحال بالنسبة إلى الإيفاء بالوعود التي قدمها الاتحاد في مسألة اللاجئين والتشارك مع تركيا في تحمل هذه الأعباء. إضافة إلى أن تفهم التحديات الأمنية لدى تركيا قبل وبعد المحاولة الانقلابية في الخامس عشر من يوليو تموز، سيسهم في تخفيف الأجواء السياسية العدائية في أوروبا اليوم. فالعداء الأوروبي لتركيا اليوم لصالح الشعبوية السياسية يضر بمصالح أوروبا أكثر مما يضر تركيا نفسها.