رحلة في حياة وإنجازات السلطان العثماني مصطفى الثاني

إسطنبول
نشر في 22.02.2022 13:46
آخر تحديث في 22.02.2022 17:03
صورة شائعة تمثل السلطان مصطفى الثاني Wikimedia صورة شائعة تمثل السلطان مصطفى الثاني (Wikimedia)

شهد الحروب والحملات العسكرية في طفولته وشبابه، وهو آخر سلطان يخوض معركة مع جيشه.

إنه السلطان مصطفى الثاني، السلطان العثماني الثاني والعشرون والخليفة السابع والثمانين للمسلمين. وهو نجل السلطان محمد الرابع، ولد عام 1664 لأمة الله ربيعة غولنوش هاسكي، وكان أكثر تعليماً من والده وأعمامه وعاش حياة مريحة تناسب حياة الأمراء. وقام ببناء شخصيته وزيادة تجربته من خلال المشاركة في الحملات العسكرية مع والده. وكان هو وأخوه الشقيق أحمد قريبين جداً وهو أمر نادر الحدوث في التاريخ.

وعند وفاة عمه أحمد الثاني عام 1695، تولى العرش في أدرنة وكان أكثر الحكام نشاطاً وموهبةً بين الملوك الذين أتوا بعد السلطان مراد الرابع.

في عهد حكم أعمامه الذين اعتلوا العرش بعد والده، راقب مصطفى الثاني الكوارث التي عانت منها الإمبراطورية وخلافة الوزراء الذين لا قيمة لهم في الحكومة. وكان مصمماً على وضع إدارة الدولة في أيدي رجال من أمثال والده وأعمامه.

وجاء فرمان التتويج الذي أصدره عندما اعتلى العرش غير مسبوق إذ كان أشبه ما يمكن ببرنامج الحكومة الحديثة. فقد أشار إلى ضعف الدولة وأخطاء آبائه وأعمامه بانتقاد عصرهم. كما حرم نفسه من المتعة والبذخ، وبدلاً من ذلك أعلن نيته الذهاب إلى الجهاد بجعل السلطان سليمان الأول المعروف أيضاً باسم سليمان القانوني مثاله الأعلى.

لست بحاجة للمال!

جاءت أخبار النصر من معركة خيوس التي بدأت في زمن عم السلطان مصطفى الثاني. وتم تحرير خيوس من الاحتلال البندقي عام 1695. واستمرت المعارك ضد أوروبا بأكملها لمدة 16 عاماً على 6 جبهات. وبدلاً من إطالة هذا الوضع، تقرر تعويض الخسائر من خلال التحالفات، واحدة تلو الأخرى.

وكانت مواصلة الدولة العثمانية حروبها بمفردها علامة على القوة والنجاح العظيمين للعثمانيين حتى لو لم تنته بشكل جيد. فروما أقامت إمبراطوريتها العظيمة من خلال الاستيلاء على دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى. ولم تكن بريطانيا العظمى، التي لم تكن تغرب الشمس على أراضيها، قد دخلت في حرب كبرى بمفردها، باستثناء حرب ضد المستعمرات. وبالرغم من أن روسيا قاتلت بمفردها مع دول صغيرة، إلا أنها تمكنت من تحقيق النجاح من خلال إقامة تحالفات مع دول أخرى ضد دول كبيرة.

سأل السلطان مصطفى الثاني الصدر الأعظم علي باشا: "هل الأفضل للدولة أن أذهب في حملة عسكرية شخصياً أم أبقى في أدرنة؟ أسألك أن ترد على هذا السؤال من منظور الجهاد في سبيل الله دون أن تجعله شخصياً". وأجاب الباشا أنه سيكون مكلفاً جداً على السلطان أن يذهب بنفسه في الحملة وأنه في حالة الهزيمة، فإن المسؤولية تقع على عاتقه.

أجاب السلطان مصطفى الثاني: "لست بحاجة إلى نقود. سوف آكل الخبز الذي قد أتخلى عنه إذا لزم الأمر. أريد أن أضحّي بنفسي في سبيل الدين. ومهما كانت المتاعب، سأكون صبوراً"، وانطلق في حملته الأولى عام 1695. وانتصر العثمانيون في معركة لوغوس، وفتح الطريق إلى إردل (إقليم ترانسيلفانيا في رومانيا) أمام الجيش لكنهم عادوا لأن الموسم المناسب كان قد انقضى. وفي العام التالي ذهب السلطان مصطفى الثاني في حملته الثانية وانتصر في معركة أولاش أيضاً.

من أكثر الأحداث إيلاما:

بينما كان السلطان مصطفى الثاني وجيشه بعد أن شرعوا في حملتهم الثالثة عام 1697، يعبرون نهر تيسا في قرية زينتا (في صربيا اليوم) باستخدام 9 جسور كبيرة، قام قائد جيش العدو الأمير يوجين من سافوي، بإطلاق نيران المدفعية عليهم. وتم تسريع مرور الجيش لكن الجسور لم تستطع تحمل الثقل وانهارت ما أدى إلى انقسام الجيش على الجانبين. وغرق خمس الجيش البالغ عدده 100 ألف. كذلك لقي ما يقرب من 7500 شخص مصرعهم في القتال. وقُتل الصدر الأعظم ألماس محمد باشا والعديد من القادة. وكان عدد الضحايا كبيرا جدا، فتراجع الجيش، وتوقف السلطان عن الأكل والشرب لمدة 3 أيام بسبب حزنه.

وبسبب هذه المعركة التي قُتل فيها وزيران عظيمان و30 وزيراً من عموم الحكومة، قدم الجميع التضحيات بإخلاص كبير، حتى الطبقة الحاكمة العثمانية تصرفت بحماس كبير وروح مؤازرة وطنية عالية. وأُرسلت موجودات القصور السلطانية الثمينة والنفيسة إلى دار سك العملة وتم تحويلها إلى عملات معدنية لرفد الجيش المنكوب.

أدت هذه الهزيمة إلى نهاية الحرب وخسارة الإمبراطورية للمجر. وهي واحدة من أكثر الأحداث إيلاما في التاريخ العثماني، فالسلطان مصطفى الثاني كان يأمل أن يتمكن من إنقاذ المجر. لكن كيف يمكنه ذلك مع جيش لم يطع فيه الجنود قائدهم ودبت الغيرة بين قادته؟

نهاية الرهبة من الأتراك

تم إقناع السلطان مصطفى الثاني بالسلام واستغرقت مفاوضات السلام الصعبة عامين. وتم التوقيع على معاهدة كارلويتس عام 1699. وكان الكاتب الرئيسي الذي يعادل وزير خارجية في العصر الحديث، رامي محمد باشا وهو دبلوماسي ماهر، المندوب العثماني في هذه المعاهدة، وتمكن بذكائه وخبرته من تقليل حجم الخسائر. وتم تعيينه فيما بعد الصدر الأعظم لجهوده.

وسُلّمت المجر وترانسيلفانيا (باستثناء بنات Banat في رومانيا)، التي كانت تحت السيطرة العثمانية منذ عام 1526، إلى النمسا بينما تم تسليم آزوف إلى الروس، والبيلوبونيز إلى البندقية وبودوليا إلى بولندا. واستحوذت النمسا على عدد كبير من المجريين الذين لم يكونوا راضين عن الانتقال لتحت سلطة النمسا. ولم يكن الشعب الأرثوذكسي في البيلوبونيز راضٍ أيضاً أن تعطى بلاده للبندقية. وخسر العثمانيون 365.000 كيلومتر مربع من الأرض. بالرغم من أن البيلوبونيز وآزوف أعيدتا بعد فترة وجيزة.

وقال المؤرخ الفرنسي فرناند غرينارد إن "عام 1699 هو التاريخ الذي انتقلت فيه سيادة آسيا إلى أوروبا". كما قال جوزيف فون هامر بورغستال: "وهكذا محي الخوف من الأتراك من خيال أوروبا. لقد ظهر أنه من الممكن هزيمتهم والاستيلاء على الأرض من بين أيديهم" فقد كان الجيش والبحرية العثمانية لا يزالان في المرتبة الأولى في العالم واستمروا في الحفاظ على هذه المكانة لمدة ثلاثة أرباع القرن.

وكانت هذه المعاهدة من أسوأ الضربات في التاريخ العثماني. ومع ذلك، توقف العثمانيون عن التركيز على عبء الحرب، الذي أودى بحياة وزيرين كبيرين وعشرات الوزراء الآخرين وآلاف الجنود، وركزوا على التقدم الاقتصادي. وبدأت الدول بإقامة علاقات دبلوماسية مع بعضها.

إعادة الإعمار:

تركت الحروب الطويلة بصماتها في كل مكان. وتوقفت الزراعة والصناعة وجميع أنواع الأنشطة الإنتاجية. وكان الناس في وضع صعب بسبب الضرائب الباهظة. فقام السلطان مصطفى الثاني بإلغاء ضرائب الحرب. وكإجراء احترازي ضد التمرد، نهى الحكام عن اتخاذ الجنود الخاصين (كالميليشيا في يومنا هذا). وخفض عدد جنود القسم المنزلي للسلاطين، بمقدار النصف. وقام بزيادة عدد السفن التي تدفع بالمجاديف بدلاً من السفن الشراعية متعددة الطوابق.

وركز على إعادة بناء البلد وتبعه الجميع في هذه الجهود برضى تام. وتعطي أعمال الصدر الأعظم حسين باشا، ابن شقيق محمد باشا، فكرة عن مستوى النشاط في ذلك الوقت مثل بناء 4 مساجد في إسطنبول وأدرنة وليبانتو وغلاديسكا، إضافة إلى بناء مدرسة في إسطنبول وقناة في الإسكندرية وسد و4 سُبل في إسطنبول و10 سُبل في مرزيفون خارج أدرنة. ويمثل قصر عمجازاده على مضيق البوسفور أحد أقدم الأمثلة على العمارة المدنية.

إضافة إلى ذلك، أمر شيخ الإسلام فيض الله أفندي بإنشاء مدرسة ومكتبة في الفاتح. وأمر رامي محمد باشا ببناء نافورة ومدرسة في أيوب، كما بنى علي باشا مكتبة إضافة إلى مدرسة ومسجد من طابقين كان قد بناهما سابقاً في حوض بناء السفن.

حادثة أدرنة

تسببت الهزيمة العسكرية بإصابة السلطان مصطفى الثاني باكتئاب شديد وتقوقع على نفسه. وفي النصف الثاني من حكمه، فشل في إظهار الطاقة التي أظهرها في النصف الأول. وعاش في يأس وضيق نفسي وقهر. وفي هذه الفترة ترك شؤون الدولة بيد أستاذه شيخ الإسلام فيض الله أفندي الذي كان يحترمه ويثق به كثيراً.

كان فيض الله أفندي عالماً وقانونياً فذاً. لكنه كان طموحاً للغاية. فأعطى مناصب عالية في السلطة لأقاربه. وبالرغم من أن هؤلاء الأشخاص كانوا مؤهلين بالفعل لتلك المناصب، لكن نشأ حسد وعداء كبير بين الأقارب الآخرين.

في غضون ذلك، تسبب انسحاب السلطان من شؤون الدولة وإقامته لمدة 4 سنوات في أدرنة في استياء شعبي عام. واندلعت ثورة عسكرية في إسطنبول عام 1703 شارك فيها مدنيون. كما دعمت طبقة العلماء المتمردين سرا.

واتسع التمرد المعروف باسم "حادثة أدرنة" حيث سار ما يقرب من 60.000 متمرد إلى أدرنة، فتدخلت والدة السلطان على الفور وذهبت إلى ابنها ونصحته بطرد فيض الله أفندي. فاستمع إلى والدته ونفى شيخ الإسلام مع أبنائه.

لا تدع الدم يراق

لم يرغب السلطان الذي كان تحت إمرته جيش قوامه 80 ألف رجل، في إراقة أية دماء، ولم يكن يثق بأي من الجنود. فأخبر شقيقه الأمير أحمد على الفور أنه سيتخلى عن العرش. لكن المتمردون لم يرغبوا في أن يتولى الأمير أحمد العرش، مفضلين ابن السلطان السابق أحمد الثاني البالغ من العمر 11 عاماً. وكانوا يعرفون العلاقة الوثيقة بين السلطان مصطفى الثاني وشقيقه ويخشون أنه إذا تولى أحمد العرش، فإنه سينتقم من المتمردين وهو ما حدث في النهاية.

وفي مقابل قيام محمد آغا البلطجي، الصدر الأعظم، بتوزيع ثروته على المتمردين، صعد الوريث إلى العرش ومنح لقب السلطان أحمد الثالث. وأصبح محمد آغا فيما بعد الصدر الأعظم وحقق انتصاراً على الروس في معركة بروت.

وأعطى السلطان مصطفى الثاني التوجيه لأخيه ونصحه بالسيطرة الكاملة على إدارة الدولة وعدم إعطاء أي حقوق لأحد.

في هذه الأثناء أعدم المتمردون فيض الله أفندي وابنه، الذي ادعى أنه ينحدر من نسل الخليفة الأول أبو بكر. ونُفي الصدر الأعظم رامي محمد باشا وتوفي فيه.

استقر السلطان السابق وعائلته في قصر توبكابي الذي أخلاه شقيقه. وبعد أن عاش قرابة 6 أشهر في حزن، مات بسبب مرض في المثانة. وكان عمره يزيد قليلاً عن 39 عاماً. وعاش السلطان الجديد في إسطنبول وفقدت أدرنة المكانة المشرقة التي كانت تتمتع بها لمدة نصف قرن.

الحاكم العظيم جندي جيد

كان مصطفى الثاني آخر السلاطين الذين نشأوا على تجربة الحرب، وسافر إلى بلدان مختلفة في طفولته وشبابه، وبذلك أصبح آخر سلطان يخوض حملات عسكرية على رأس الجيش. وبدلاً من قيادة الجيوش بأنفسهم، سلم السلاطين بعده هذه المهمة إلى وزرائهم وأعطوا الأولوية للبقاء في المركز للحفاظ على السلطة.

وُصِف السلطان مصطفى بأنه متوسط القامة وله عنق قصير وشعر بني ولحية رقيقة. وكان يتمتع بلياقة بدنية شجاعة. ويناسب جسده شكل فارس. وكان طيعاً وصالحاً وسريع الفهم وناضجاً ومنضبطاً. ولم يكن مسرفاً ولا بخيلاً. ولد جنديا شجاعا حازما ومخلصا.

وفي معركة لوغوس، حمل سيفه وقاد الهجوم بنفسه وشجع الجنود. وفي معركة أولاس وبالرغم من مرور 9 قذائف مدفعية فوق رأسه إلا أنه ظل ثابتاً.

ألّف مصطفى قصائد جميلة تلاها تحت أسماء مستعارة. وكان خطاطاً ماهراً ووقع على كتاباته باسم درويش مصطفى. وكان متديناً جداً وملتزماً بالطريقة المولوية الصوفية.

شهد عهده صعود جنود وشعراء وملحنين ومؤرخين وخطاطين. وكلف مصطفى الثاني محمد آغا بكتابة التطورات الهامة في ذلك الوقت.

وفي الكعبة، أمر السلطان مصطفى بترميم درج دائري مكون من 27 درجة يشبه درج المئذنة، وهو محاذ للركن العراقي، وأحاط مكان الحجر الأسود بالذهب. وقام بتجديد 3 أعمدة من أصل 6 داخل الكعبة. كما أمر بإنشاء المئذنة وترميم مسجد القبة.

وقام السلطان بترميم جسر سراج خانة في أدرنة. وكلف بإعادة بناء مسجد السلطان بايزيد الثاني في ليبانتو. وفي بلدة بصرى في سوريا، أمر بإنشاء قبة قائمة على 4 أعمدة وسبيل ماء وشادروان في ساحات المساجد للوضوء، وحفر آبار المياه العميقة في المكان المسمى مبرك الناقة، حيث يعتقد أن ناقة رسول الله حطت هناك.

مات معظم أبنائه في سن مبكرة جداً، في حين أصبح ولداه محمود وعثمان سلاطين على التوالي، وبلغوا سن الرشد مع 4 من بناته. وكانت زوجة السلطان صالحة ومنفقة في سبيل الله. وقامت بتمويل المسجد العربي في حي غلاطة ومسجد في كيسيكلي وسُبل ماء في غلاطة وتشنكل كوي وسد كيليشبينار.