سياسة السلطان عبد الحميد مع الأرمن وتعامله مع ثوراتهم

وكالة الأناضول للأنباء
إسطنبول
نشر في 16.03.2022 14:51
آخر تحديث في 16.03.2022 14:56
السلطان عبد الحميد الثاني السلطان عبد الحميد الثاني

لم تكن طائفة الأرمن تعاني من أية مشاكل كمكون من مكونات المجتمع العثماني، بل كان لهم دور حيوي في الحياة التجارية والصناعية وعملوا في السياسة والإدارة.

وهنا شهادة أدلى بها المؤرخ الفرنسي روبير مانتران، في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية" الذي ترجمه للعربية بشير السباعي، حول طبيعة العلاقة بين الأرمن والدولة العثمانية ومدى اندماجهم وانخراطهم في المجتمع العثماني بشكل طبيعي.

ويقول مانتران: "الأرمن بشكل أكثر من أي أقلية غير مسلمة بلا شك، اندمجوا في الهيكل السياسي والإداري للدولة، ومنذ الانتفاضة اليونانية التي ترتب عليها اختزال جانب كبير من النفوذ السياسي ليونانيي الإمبراطورية، نجد أن الأرمن احتلوا مكانة هامة في الكادر السياسي الملحق بالقصر أو بالباب العالي".

وأضاف: "أنهم عديدون في المؤسسات المحلية التي أقامها قانون 1864، وهم موجودون في المجالس البلدية والمحاكم ويقدمون خبراء في مجال الشؤون المالية، ومترجمين، وفنيين في خدمات الصحة والزراعة".

وفي النصف الأول من بدايات القرن التاسع عشر، حدثت نهضة قومية وثقافية للأرمن، فطوروا مراكزهم الثقافية، وأحيوا اللغة الأرمنية الكلاسيكية، ونشروا الأناجيل بلغتهم القومية، وتأثروا بالثقافة الفرنسية نتيجة البعثات العلمية إلى باريس، فنادوا بالحكم الذاتي.

فشل الأرمن في إقناع أوروبا باستقلالهم عن الدولة العثمانية، فتحولوا إلى مسلك العنف لتحقيق هذا الهدف، وتأسست جمعيات ولجان ثورية داخل ممتلكات الدولة العثمانية، وكذلك خارجها في روسيا وأمريكا وأوروبا، وقاموا بطباعة إصدارات دورية ونشرات تخدم أهدافهم ووزعوها بالبريد داخل الدولة العثمانية.

المتمردون الأرمن استخدموا وسائل العنف ضد المسلمين حتى يقوم المسلمون بالرد العنيف، ومن ثم يدفعون أوروبا للتدخل لحماية الأقليات الأرمنية، ويدعمونها في الاستقلال عن الدولة العثمانية، وهذا ما أدركه السلطان عبد الحميد جيدا، ولذلك يقول في مذكراته: "هدف الأرمن إثارة المسلمين واستفزازهم للاعتداء عليهم، ثم يقيمون العالم ولا يقعدونه، حتى تتدخل الدول الأوربية لتقول إن الحياة بين هذين العنصرين مستحيلة، ولذلك لا بد من الاستقلال الذاتي".

وتمكنت شرطة السلطان عبد الحميد في الولايات من السيطرة على تحركاتهم في كثير من الأحيان، وتذكر سلوى سعد الغالي في رسالة دكتوراة بعنوان "العلاقات العثمانية الأمريكية 1830-1918"، أن المسلمين مُنعوا من الرد على العنف الأرمني بمثله، ما زاد من توتر الأجواء وصعوبة عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل "التحركات الثورية" للأرمن باتجاه الاستقلال عن الدولة.

وركز الأرمن على مسرح نشاطهم في الخارج، وكانت هناك "منظمة الجرس" (هنشاك) للطلبة الأرمن في فرنسا وسويسرا، و"الاتحاد الثوري الأرمني" (طاشناق) في روسيا، وركزت المنظمتان في برامجها على تكوين مجموعات عمل تتسلسل داخل حدود الدولة العثمانية لإحداث اضطرابات بمواجهة موظفي الحكومة والأرمن على السواء، لدفع الغرب إلى التدخل ودعم الأرمن في الانفصال.

أما الولايات المتحدة، فكانت أرضا خصبة لأنشطة الأرمن المعادية للدولة العثمانية، فكانت المجموعات الأرمنية تنشط دعائياً لتكوين رأي عام أمريكي ضد الدولة العثمانية للدفع باتجاه دعم فكرة الاستقلال الأرمني.

فصدرت صحيفة باللغة الأرمنية في مدينة نيويورك الأمريكية كانت تدعو بشكل علني إلى "المشاركة في الحركات الثورية الأرمنية للعمل على تدمير السلطة العثمانية في الأقاليم الآسيوية".

وتعاطف الشعب الأمريكي مع طموحات الأرمن نتيجة النشاط الدعائي لتشويه صورة السلطان عبد الحميد وأدى ذلك إلى جمع تبرعات داخل الولايات المتحدة وإرسالها إلى الأرمن تحت مظلة الإغاثة، كما أشيعت أنباء في الصحف الأمريكية عن نية الأرمن التنسيق مع حكومة الولايات المتحدة لإجراء تدريبات عسكرية لهم وتزويدهم بالسلاح.

ارتبط السلطان عبد الحميد في البداية بعلاقات وثيقة مع الأرمن، إلا أن الاضطرابات التي أحدثوها أرغمته على استخدام الشدة في مواجهة تحركاتهم، فأنشأ القوات الحميدية لمساعدة الجيش في إخماد الثورات الأرمنية وحفظ النظام العام، واتخذ إجراءات صارمة ضد التجار الأرمن لإضعاف اقتصادهم الذي يقوم بتمويل الأنشطة الثورية للأرمن.

مع ذلك، تجنب السلطان عبد الحميد التعامل بأسلوب القمع الانتقامي مع منظمة "الهنشاك" رغم أن ذلك كان هدفا للمنظمة لرفع الأمر إلى أوروبا، فقاموا بانقلاب كبير في منطقة ساسون، وعندما تحرك الجيش العثماني لمواجهة الاضطرابات فر أعضاء المنظمة إلى الجبال.

وازداد نشاط الدعاية الانفصالية للأرمن لإلهاب الرأي العام الأوروبي تجاه مطالبهم، وعلى إثر ذلك تم توجيه الاتهامات إلى الدولة العثمانية بإعدام 20 ألف فلاح أرمني وتدمير 25 قرية، فتشكلت لجنة أوروبية عثمانية لتقصي الحقائق، أثبتت عدم صحة هذه الأرقام والحجم الكبير للمبالغة في تقدير الضحايا.

وعمد السلطان عبد الحميد إلى التهدئة وقدم وعوداً إلى الدول الأوروبية بإجراء إصلاحات تفاديا لتدخلها في وقت ضعف شديد للدولة العثمانية، واستجابت بالفعل أوروبا لمطالب السلطان.

إلا أن هذه الاستجابة الأوروبية أثارت حنق منظمة "الهنشاك"، ففجروا الاضطرابات في مدينة إسطنبول، وقاموا بمظاهرات ضد لجنة تقصي الحقائق في سبتمبر 1895، وأطلقوا مسيرات صوب السفارات الأجنبية والباب العالي العثماني.

ورغم اعتراض السفارات في البداية على إرسال السلطان العثماني قوات لحفظ النظام، إلا أنهم سمحوا للحكومة بإجراء الأحكام العرفية ونزول الجيش لحفظ النظام بعدما تفاقم خطر المتمردين الأرمن على السفارات الأجنبية.

وتفاقمت حدة الاضطرابات الأرمنية وازدادت رقعتها في شتاء 1895، إلا أن أغسطس في العام التالي 1896، شهد أجرأ وأخطر تحركات الثوار الأرمن، حيث قاموا بالاستيلاء على البنك العثماني في حي غلاطة بمدينة إسطنبول.

واتجهت آنذاك، مجموعات أخرى منهم إلى الباب العالي وأصابوا عددا من الموظفين وهددوا الصدر الأعظم، وبعد يوم من محاصرة البنك، اعتقل الأشخاص الذين احتلوه بمعرفة القوات العثمانية، التي قامت بطرد المتظاهرين في الأماكن الأخرى.

واتبع السلطان سياسة ضبط النفس مع هذه التطورات، لمنع اندلاع مزيد من أحداث العنف، فقام بإصدار مراسيم العفو، وقام بتعيين مديرين من الطوائف المسيحية في شرق الأناضول.

حاولت بريطانيا التدخل لصالح الأرمن، إلا أن حسابات صراع النفوذ دفعت روسيا وفرنسا إلى معارضة التدخل البريطاني المنفرد، ونتيجة لعدم التدخل الأوروبي انقسمت مجموعات الأرمن على نفسها، وغادر كثير من الأرمن الدولة العثمانية إلى مصر وفارس (إيران حالياً) وأوروبا والولايات المتحدة، وكان ذلك في غضون عام 1897م، الذي هدأت فيه الاضطرابات الأرمنية على مدى سنوات.

وشهدت السنوات الأولى للقرن العشرين، تحركات أرمنية خطيرة، تمثلت في تدبير حادث اغتيال للسلطان عبد الحميد عند خروجه من المسجد عام 1905، وتفاقمت الاضطرابات الأرمنية من جديد بين عامي 1908-1909، وهو العام الذي انتهى فيه حكم السلطان عبد الحميد.

ونخلص من هذا السرد التاريخي إلى أن الأرمن كانوا منخرطين في الحياة العامة والهيكل الإداري في الدولة العثمانية إلى أن قامت النزعة الانفصالية الأرمنية وتحولوا من المطالب السلمية إلى انتهاج العنف، لإرغام الدول الأوروبية على التدخل لصالحهم، وفي الوقت نفسه كان السلطان عبد الحميد يدرك هذه الأهداف، فتعامل معها بحكمة، فأحيانا كان يلجأ للحزم وأحيانا أخرى يلجأ للتهدئة بحسب ما تقتضيه الأحداث.

وبالنظر إلى التحركات الأرمنية والاضطرابات التي أحدثوها وأعمال العنف والتخريب التي قاموا بها، نرى أنها أكبر بكثير من حجم التدخل الحازم من السلطان الذي كان يحق له فعل كل ما بوسعه لإفشال هذه الانقلابات باعتباره سلطانا للدولة العثمانية.