جولة سياحية خاصة في منطقة "قره كوي" التاريخية في قلب إسطنبول

ديلي صباح
إسطنبول
نشر في 21.09.2021 13:56
منظر من حي قره كوي Shutterstock images منظر من حي قره كوي (Shutterstock images)

تعج منطقة "قره كوي" الجميلة في إسطنبول بأماكن الإفطار والمقاهي والبارات، وتغص عادة بزوارها المحليين والأجانب الذين اعتادوا ارتيادها لتناول وجباتهم في المطاعم المخصصة والمشهورة بتقديم أصناف ونكهات صباحية مميزة. ولكن قلة من الزوار فقط هم من زاروا المواقع التاريخية في هذه المنطقة التي تستضيف بعضاً من المعالم الأكثر إثارة للاهتمام في المدينة، والتي تمتلك الكثير لتقدمه إلى جانب القهوة!

يقع حي "قره كوي" على الجانب المقابل للقرن الذهبي، وهو حي صغير داخل منطقة "بيه أوغلو" وكان يسمى "غلاطة". وبسبب موقعه في شبه الجزيرة التاريخية كان الحي مركزاً لتجار جنوة الذين يتعاملون مع القسطنطينية.

ومع بداية العهد العثماني، نما الحي متعدد الثقافات أكثر فأكثر. وانضمت العديد من المجموعات العرقية المسيحية المختلفة إلى المسلمين للعيش في ظل الحكم العثماني. ثم جاء يهود السفارديم الذين فروا من إسبانيا إلى الإمبراطورية العثمانية. وفي هذا الحي الفريد من أحياء إسطنبول بُنيت الكنائس الكاثوليكية بجوار الكنائس الأرثوذكسية، كما بنيت المساجد الاسلامية بجوار المعابد اليهودية، ونشط الجميع بنفس الأعمال التجارية وورش المصانع الصغيرة معاً.

واليوم، تحولت كل ورش العمل الصغيرة في "قره كوي" إلى مطاعم ومقاهي بأعداد ملفتة للنظر، لكنها أعطت طابعاً خاصاً اشتهر به الحي عن بقية أحياء إسطنبول.

ويقدم هذا المقال جولة سياحية مفصلة في عدد من الأماكن التاريخية التي يزخر بها هذا الحي ليكون دليلاً للزوار الراغبين بالجمع بين متعة التعرف على التاريخ وتذوق الافطار الشهي.

جامع النصرتية

وهو جامع مزخرف رائع يمزج بين الطراز الباروكي والعناصر الإسلامية. ويعتبر حديثاً نسبياً، مقارنة ببقية المواقع التاريخية في المدينة، إذ بناه في عشرينيات القرن التاسع عشر السلطان محمود الثاني. ومن بعض التفاصيل التي يجب ملاحظتها في هذا البناء، الخط الذي يدور حول نصف الواجهة الداخلية، والمقابر الموجودة بجوار المسجد.

ويتميز المسجد بأن بانيه مهندس مسيحي وقد استخدم العديد من العناصر الشائعة في الكنائس. فقد كان "كريكور أميرا باليان" أحد أفراد عائلة "باليان" الشهيرة، وهي عائلة من المهندسين المعماريين الأرمن الذين قاموا طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ببناء العديد من المساجد والقصور ذات الطراز الغربي المنتشرة في جميع أنحاء المدينة، ومن أشهر أعمالهم قصر دولمة بهجة. ومما يؤكد النسيج متعدد الثقافات لعاصمة الامبراطورية العثمانية، أن السلطان اتخذ مهندساً معمارياً أرمنياً لبناء مسجده الإمبراطوري ثم أحبه بما يكفي لتوظيف عائلته الممتدة للأجيال الأربعة القادمة.

وقريباً من موقع الجامع، توجد بعض المعالم السياحية على يسار الطريق المتجه إلى "قره كوي" يمكن ملاحظتها بسهولة من الخارج. أولها قصر "طوب خانة" الأخضر المشرق الذي بناه السلطان كي يقيم قريباً من مصنع "طوب خانة أميري" المصنع الرئيسي للإمبراطورية العثمانية لصنع البارود وقذائف المدفعية، والذي أصبح الآن جزءاً من جامعة معمار سنان للفنون الجميلة.

وعلى اليسار، توجد نافورة مائية ضخمة ومذهلة مخصصة للسلطان محمود الأول. ويوجد بجانب المسجد حمام ذو قبة واحدة مذهل ورائع مثل معظم الحمامات في إسطنبول.

وفي أعماق حي "قره كوي"، يوجد عدد لا يحصى من المطاعم والمتاجر الصغيرة الجذابة.

"بيت الحساء" في قره كوي (Karaköy Çorba Evi):

يعتبر تناول الحساء على الإفطار من العادات التركية الأصيلة الموغلة بالقدم. وعادة ما يستيقظ القرويون في الأناضول عند بزوغ الفجر ويشربون الحساء قبل التوجه إلى الحقول. ومع أن شعبية هذه الممارسة تراجعت في العقد الماضي، إلا أن الكثيرين ما زالوا يعتبرونها عادة رائعة لأن الحساء رخيص جداً ويمنح الشعور بالشبع التام إضافةً إلى أنه صحي، ويسهل تحضيره في الصباح، وبمجرد تناوله ينشر الدفء في الجسم بسرعة ومن ثم يأتي الشاي التركي ليجعل شاربه جاهزاً ليوم غاية في النشاط.

يفتح "بيت الحساء" في "قره كوي" أبوابه يومياً من الساعة 7 صباحاً حتى 2 فجراً خلال أيام الأسبوع ما عدا يوم السبت حيث يفتح على مدار 24 ساعة. وهو يقدم حوالي 15 نوعاً مختلفاً من الحساء في أي ساعة. ويحتوي المطعم أيضاً على كمية كبيرة من الخيارات النباتية والنصف نباتية.

كنيسة "آيا بانتيليمون" الروسية الأرثوذكسية:

هل هذا معقول.. كنيسة أرثوذكسية روسية في الطابق السادس من مبنى سكني؟

هذه الكنيسة الصغيرة الجميلة بُنيت في سبعينيات القرن التاسع عشر كبيت ضيافة للحجاج الأرثوذكس الروس في طريقهم إلى القدس. وبعد ثورة أكتوبر/تشرين الأول في روسيا عام 1917، فر الأرستقراطيون والمواطنون المقربون من القيصر المخلوع نيكولاس الثاني من البلاد، ووصل الكثير منهم إلى إسطنبول. ولا يزال العديد من الأجيال الأكبر سنا يتذكرون المهاجرين الروس البيض الذين اعتادوا العيش في أحيائهم، وفتحوا الأعمال التجارية وعلموا المتدربين. وبعد الثلاثينيات من القرن الماضي، غادر الروس البيض البلاد ببطء.

وتعج الكنيسة في الوقت الحاضر بالأفراد الذين قدموا إلى إسطنبول من دول الاتحاد السوفيتي السابق للعمل، مثل روسيا وأوكرانيا وجورجيا ومولدوفا. والكنيسة ترحب على الدوام بأي شخص يحضر لزيارتها، بغض النظر عن عقيدته أو دينه. وهي مفتوحة للزوار من الساعة 10 صباحاً حتى 7 مساءً.

المسجد التاريخي الواقع تحت الأرض (Yeraltı Camii):

في المنطقة المحددة حيث ينتهي مضيق البوسفور ويبدأ مصب القرن الذهبي يوجد مسجد تاريخي يسمى "مسجد تحت الأرض"، المعروف في الماضي باسم "حصن غلاطة". وكان هذا المكان موقعاً استراتيجياً رئيسياً للإمبراطورية البيزنطية حيث أغلقوا مصب القرن الذهبي وأوقفوا الغزاة القادمين من البحر ومنعوهم من الرسو خارج أسوار المدينة باستخدام سلسلة حديدية طولها مئات الأمتار.

وبعد وصول العثمانيين للحكم، كان المبنى عبارة عن مستودع للبارود المنتج في المصنع الأميري، ولكن بسبب الاعتقاد بوجود قبور 3 من صحابة النبي محمد عليه السلام في هذا المكان إبان حصار العرب الأول للقسطنطينية، تحول المبنى إلى مسجد في القرن الثامن عشر.

و"مسجد تحت الأرض" اليوم، فارغ وهادئ، وهو بلا نوافذ. لكن قبور الصحابة تدعو الزوار المسلمين لأداء الصلاة والدعاء، وهي مزينة بشكل جميل للغاية ومضاءة باللون الأخضر.

كما يوجد في المحيط القريب "مكتبة إسطنبول" المملوكة لبلدية إسطنبول الكبرى وهي تطل على كل من مضيق البوسفور والقرن الذهبي في نفس الوقت.

مسجد العرب:

أول ما يلاحظ في المسجد العربي هو أن مئذنته لا تشبه المآذن التقليدية لأنها بنيت في الأصل كبرجٍ لجرس كنيسة بناها الرهبان الدومينيكانيون في القرن الرابع عشر. ومع بداية العصر العثماني حوله السلطان محمد الفاتح إلى مسجد.

ولا يزال المبنى يحمل طابع الكنيسة القديم بلوحاته الجدارية الباقية التي تضفي عليه جمالاً خلاباً بينما يشير اسم "المسجد العربي" إلى الأشخاص الذين انتقلوا إلى الحي بعد حوالي 20 عاماً من فتح القسطنطينية فقط، وهم الإسبان الموريسكيون الذين أطلق عليهم عامة الناس لقب "العرب".

مشرب ونافورة السلطانة "صليحة":

وهي كشك مزخرف بني عام 1732 على طراز عصر التوليب الذي يجمع عادةً بين الطراز الباروكي والعناصر الإسلامية.

والمشرب أو "السبيل" هو نوع من الأكشاك يقف العامل وراء نافذته ويوزع الماء على الناس في فترة لم تكن فيها البنية التحتية للمياه منتشرة. وكان يُنظر إليه على أنه طريقة رائعة لأعمال الخير لتوفير المياه للمارة.

وقد بني هذا السبيل بأمر من والدة السلطان محمود الأول "صالحة سلطان". ولم يكن منفرداً هكذا يوم بنائه بل كان متصلاً بمدرسة ابتدائية كبيرة لعامة الناس. ومن شأن هذه الأعمال المجتمعية عميمة النفع توضيح أثر النساء في التاريخ العثماني والقوة التي يمكن أن يتمتعن بها من وراء الأبواب المغلقة.

بقلم: YASEMIN ÇELEBI PAÇALIOĞLU