الحكمة والارادة في وجه العنف

عقلية تنظيم داعش الارهابي، الذي قام بعملية انتحارية قرب مسجد السلطان أحمد، والذي يعود تاريخه لما يقرب الأربعمئة عام، والذي أصبح أحد أهم الرموز الدينية الثقافية لاسطنبول، هذه العقلية تتصادم بشكل صارخ مع تعاليم الدين الاسلامي.

كنت أعطي محاضرة عامة حول خوجه أحمد يسوي، وأفكاره حول الحكمة والمحبة والتسامح، في نفس اللحظات التي فجر فيها انتحاري نفسه في هجوم ارهابي قرب مسجد السلطان أحمد في اسطنبول. ومع انتهاء محاضرتي، كانت قوات الأمن التركية، قد أغلقت وأحاطت بالمنطقة، التي تشتهر بكونها مركز الحياة الدينية والثقافية والسياحية في اسطنبول. عشرة سياح قتلوا وأصيب خمسة عشر آخرون في الهجوم.

وبحسب المعلومات الاستخباراتية الأولية التي حصلنا عليها، فإن الانتحاري ينتمي الى تنظيم داعش. ولكننا ما زلنا نجهل الأسباب والدوافع التي تقف خلف الهجوم. ولكن حاله حال بقية الهجمات الارهابية، فهو يستهدف بشكل أساسي اختلاق حالة من الرعب والفوضى والقلق. داعش يستهدف تركيا ردا على العمليات التي تقوم بها تركيا ضده بقوة في داخل تركيا وفي سوريا والعراق.

الارهابيون يظنون ان هذه الهجمات ستضعفنا، وتخيفنا وبالتالي تثنينا عن المسير في طريق الحرب على الإرهاب. لكنهم مخطئون. ومن واجبنا الجمعي ان نثبت لهم ذلك.

إن من سخرية القدر أن نرى تنظيم داعش يهاجم السياح الأجانب قرب مسجد السلطان احمد، أحد أكبر الرموز الدينية في اسطنبول، والذي بني في الفترة ما بين 1609 و1616. هذه المنطقة تحديدا تجمع ما بين المعمار الاسلامي والحيوية الثقافية في مشهد اندماج لجميع الناس من كافة أنحاء العالم. وهذا بالتحديد ما لا تطيقه داعش؛ الإيمان والتنوع الثقافي والانفتاح على العالم، مجتمعين في مكان واحد. لقد استهدف تنظيم داعش، في هذا الهجوم البربري والجبان، هذه القيم التي أصبحت تركيا انموذجا لها.

لقد اخترت الحديث عن خوجه احمد يوسوي، في ذلك اليوم، تماشيا مع اعلان اليونسكو عام 2016، عام أحمد يوسوي، إحياء للذكرى الـ 850 لوفاته. حيث ستنظم العديد من الفعاليات هذا العام احتفاء بحياة يوسوي وأفكاره وايصال رسائله حول المحبة والإيمان والحكمة الى الجيل الجديد في القرن الحادي والعشرين. يوسوي يستحق إفراد هذه المساحة للحديث عنه، خاصة في الوقت الذي نشهد فيه انتشار الارهاب والعنف، سواء على يد تنظيم داعش في اسطنبول، أو ارهاب تنظيم حزب العمال الكردستاني بي كاكا في الجيزرة وسيلوبي.

يعتبر يوسوي الأب الروحي للشعب التركي في آسيا الوسطى والأناضول والبلقان. فهو أول شاعر اسطوري في تاريخ اللغة التركية. وهو من بدأ تقليد اليوسوي، وألهم أجيالا من العلماء، والمرشدين الروحيين والشعراء، من بينهم يونس امره، وحاجي بكتاش ولي، وبابا الياس، وصومونجو بابا، وابراهيم غولشيني، ونيازي مصري. كما أثرت أفكاره وتصوراته الروحية في ثقافة النقشية السنية والبكتاشية العلوية. كما يحتوي ديوانه الشعري "ديوان الحكمة" بعض أجمل الأمثلة في تهذيب النفس، ومسيرة الروح.

شعره المكتوب بلغة بسيطة بليغة، أنار الطريق لأجيال من الناس في مختلف مسارات الحياة. وكانت تعاليمه تشبه تلك التي دعا اليها يونس امره ومولانا جلال الدين الرومي داعية للإيمان والمحبة والحكمة والصداقة ومتطلعة الى الجمال الالهي. ان إيمانه لم يمنعه من حب أولئك الذين يختلفون معه في الديانة. فهو يتحدث عن "الحكم" الديني، لكن ينظر اليه من باب "الحكمة" خلفه. فمن دون فهم الحكمة من الايمان، لا يمكن الوصول الى الايمان الحقيقي. والحكمة تتطلب استخداما سليما للمنطق والإرادة. يوسوي يتفق مع أرسطو على ان "كل البشر يتطلعون الى المعرفة"، لكنه يضيف اليه أن الحكمة تعلمنا اهم ما يجب علينا معرفته. وهو أن المنطق والحرية هما شرط الحصول على الايمان والمحبة والتسامح.

ان فهم حكمة أمر ما، يعني ادراك معناها وغايتها. ولكن كما ذكرت سابقا فإن "المسلمين قد فقدوا بالفعل جزءا كبيرا من منطق الحكمة، فقد تم تبسيط الدين الى طقوس وشكليات مجردة، من دون البركة الروحية فيها. وباسم الدفاع عن الدين، نرى البعض يصدر أحكاما على الآخرين من دون فهم الاحتياجات الروحية او استخدام بعض الحكمة. وهم بذلك يظهرون دينا باردا طقوسيا شكليا وأحاديا، ويقدمونه على أنه الدين الحقيقي. حتى أنهم يبررون القسوة باسم الاستقامة، والغطرسة باسم الايمان والقسوة باسم القانون. والبعض يذهب الى ما هو أبعد من ذلك، خالقا تبريرات للتشدد والارهاب، باسم الدفاع عن الدين. كل هذا يتناقض مع حكمة الايمان، وتسامح النبي الكريم".

واليوم، هناك الكثير من الحكم على الاخرين والقليل جدا من التسامح في حياتنا. ان عقلية تنظيم داعش الارهابي، الذي قام بعملية انتحارية قرب مسجد السلطان أحمد، والذي يعود تاريخه لما يقرب الأربعمئة عام، كأحد أهم الرموز الدينية الثقافية لاسطنبول، هذه العقلية تتصادم بشكل صارخ مع الفكر الذي دافع عنه يوسوي واتباعه الروحيون على مدار قرون.

الأمر ذاته ينطبق أيضا على تنظيم بي كا كا الذي يرهب الأكراد كل يوم باحتلال منازلهم واستخدامهم لمهاجمة القوات الأمنية في سور، والجزرة وسيلوبي في جنوب شرق تركيا.
بينما يجب علينا أن نعالج جذور الارهاب، علينا في الوقت ذاته ملاحقة الارهابيين وتدمير قواعدهم. والأهم من ذلك، لا بد من انهاء الحرب في سوريا، لمنع داعش من استخدامها كبيئة خصبة للانتئار وتجنيد المزيد من المقاتلين. والامر ذاته ينطبق على تنظيم بي كاكا، الذي يستغل الحرب في سوريا عن طريق أذرعه هناك، تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، من أجل التقوي في الحرب التدميرية والقاتلة التي يشنها على الأراضي التركية.

في الوقت ذاته، نحن بحاجة الى تغيير المنطق الذي يسمح بنمو فكر العنف المتطرف. الرد الأمثل على هذا التهديد، هو احياء فكر هؤلاء النجوم والقيادات الروحية من أمثال خوجه احمد يوسوي، واقناع الجيل الجديد بإمكانية الجمع ما بين الايمان والمنطق، والاخلاص والتسامح، والالتزام والتعاطف، والعدل والرحمة. ليس من المستحيل احياء روح المنطق والفضيلة في عالم الشرق الأوسط الذي يسيطر عليه التطرف. لكن ذلك يستدعي ذكاء وفضيلة وصبرا، وهي الخصال التي تكوننا نحن البشر.

ان فقر التعصب يغذي ويعمق عدمية العنف المتطرف. ووحدها الحكمة والمحبة والتسامح قادرة على مواجهة أسوء الانتهاكات التي تستهدف الانسانية وآدابها.