زمن الفوضى المعدية

اسطنبول

الحكمة الجمعية والفضيلة هما المخرجان الوحيدان لمساعدة هذا العالم على الخلاص من أزمات اليوم، والتي تشكل جذر زمن الفوضى التي تنشر عدواها على الجميع، بغض النظر عن هويتهم وماهيتهم.

هل الفوضى العالمية الحالية هي عرض لفشل ما في أداء النظام أم أن النظام بكامله خاطئ؟ المتفائلون قد يتبنون الرأي الأول، ويدافعون عن أن تصويب تطبيق النظام العالمي الحالي قد يجلب السلام والاستقرار والرفاهية للجميع. ولكن المشكلة تبدو أعمق من ذلك.

إن الفوضى الحالية في العالم معدية. إنها تؤثر في كل شي وكل أحد، تنتشر من دولة إلى أخرى، من منطقة إلى أخرى. والعالم أصبح أكثر اعتمادية على بعضه بعضاً، إلى درجة تجعل من المستحيل لأحد أن يدعي المناعة ضد تغلغل أزمات العصر إليه أيا كان مكان انتشارها.

إن الوعد بالتنوير والنهضة أصبح باهظ الثمن، فمن الاستعمار الأوروبي إلى انهيار المؤسسات الاجتماعية والسياسية التقليدية في العديد من دول العالم الإسلامي، وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، إلى الحربين العالميتين (واللتين تعدان حربين أوروبيتين) والحرب الباردة، وما لحقها من أحداث. الفجوة بين الأغنياء والفقراء تأخذ في الاتساع، وتعمق أزمة فقدان الثقة واليأس بين مئات الملايين من الناس الذين يعيشون في قاع العالم. الرأسمالية تواصل إحياء نفسها كل يوم مستغلة كل فرصة، مكلفة الفقراء والبيئة أثماناً باهظة. الرأسمالية تزدهر على حساب العمالة زهيدة الثمن وتلهث خلفها أيا كانت، في إفريقيا وجنوب شرق آسيا.

العولمة وعدت بإفراز معنى جديد وترتيب جديد لكل ما في العالم، التاريخ، والذاكرة، والمجتمع، والسياسة، والتواصل، والاقتصاد، والتعليم، والدين، والمعتقدات، والفن، وغيرها. حتى إن التوقعات الكبرى كانت تتمثل في إبدال الحدود الجامدة للهويات الفردية والتجارية بمبدأ الانتماء الشامل إلى العالم، الذي يجعل الناس يتقاربون في مشاعرهم ومعتقداتهم وأنماط حياتهم إلى درجة ما. وهو ما سماه فرانسيس فوكوياما "نهاية العالم".

لكن نهاية العالم لم تأت أبداً. فبالنظر إلى تعقيدات العصر الذي نعيش فيه، فإن من الحكمة لنا جميعاً أن نتفادى أي "نهايات". وبدلاً من ذلك، يجب علينا أن نركز على استخدام أفضل الأساليب للقضاء على الظلم وغياب العدل، وأن نعمل بكل ما نملك من حكمة وفضائل من أجل تحقيق الأفضل. إن أول لبنة يجب النظر فيها هي الاعتمادية المتبادلة في النظام العالمي اليوم. وهو ما يعني أنه لا يمكن لأحد أن يدعي الانتصار في معارك مدمرة، تقود بطبيعتها إلى دمار كل شيء. لذلك فإنه من الخطأ والخداع أخلاقياً أن ندافع عن مصالحنا على حساب الآخرين. الحكمة والعدل ليسا مجرد فضائل فكرية وأخلاقية. فالحكمة تتطلب أن ندرك أنهما متطلبات سياسية.

قضايا العدالة ليست مشكلة لدى الدول الفقيرة فحسب، بل على العكس، هي مشكلة تتطلب العلاج في دول العالم الغنية والقوية. السبب يعود إلى أن فجوة القوى العالمية وغياب التوازن في ميزان القوى اليوم هما ميراث الاستعمار على مدار القرون الماضية، ولا يمكن الخلاص منهما إلا من خلال ضلوع مسببيها بمسؤولياتهم في البداية. إن حقيقة حاجة الرأسمالية إلى عمالة رخيصة لا تعطي الشرعية لاستغلال البشر كآلات من دون أرواح.

وعلى الصعيد السياسي، فإن الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط وإفريقيا وغيرها اليوم، لن تجلب السلام والاستقرار والازدهار إلى أحد. بل ستخلق المزيد من المآسي، وستعمق مشاعر الاستياء، وتخدم مصالح المتشددين الإرهابيين، الذين يتربصون بأي فرصة يمكن استغلالها لنزع السلام والاستقرار في مناطق انتشارهم. الحرب على الإرهاب تتطلب جهوداً دولية متعاونة، لكن الأهم من ذلك، أنها تتطلب حرباً صادقة ومخلصة. فالفوضى التي يخلقها الإرهاب معدية أيضاً.

ونهاية، نصل إلى سؤال الهوية، والنظرة الذاتية، النظرة إلى العالم. البشر يحملون تصورات ذهنية خاصة عن هوياتهم وعن الآخر، كجزء من تفاعلهم مع العالم. الفوضى المعدية وانعدام الأمن حالياً لم يغيرا هذه الحقيقة، بل غيرا وجهها. نحن نعيش خليطاً من مخرجات الحضارة غير المتجذرة والعداء للمهاجرين والعولمة والتوطين والتشبيك الاجتماعي والفردية المطلقة. وهذا الخليط يشكل أكثر ضغوطات عصرنا؛ فنحن نعيش كل هذه العناصر المتناقضة بقوة وبشكل يجعل الفرد يقف حائراً أمام دوامة من فقدان الأمان وعدم القدرة على التنبؤ بالقادم، واليأس. الخطابات الشعبوية والمعادية للآخر والعنصرية تروق الناس الحاملين مشاعر الضياع وقصور الرؤية، والسياسيون يستغلون هذه المشاعر فيهم. ولكن هذه المكاسب السياسية قصيرة المدى تجعل العالم أقل أمناً، وأكثر فوضى.

تجارب العولمة في القرنين الماضيين أظهرت بلا شك أن قضايا الهوية والانتماء والذاكرة الجمعية والانتماءات الثقافية والدينية لن تنحسر أو تختفي. ولا حاجة إلى انحسارها أو اختفائها. بل على العكس، يمكن لهذه العناصر أن تكون مصدراً للحكمة الجمعية والقوة ضد عدوى الفوضى التي تمزق العالم.